... وهذا الذي ذكره ابن القيم قريب من الذي ذكره الخطابي إلا أنه يلاحظ فيه أن ابن القيم لم يقيِّد تأثير القرآن بمن يفهم العربية، وذكر أن القرآن يؤثر في النفوس سواء أكانت فاهمةً لمعانيه أم غير فاهمةٍ، عالمة بما يحتويه أم غير عالمة، فتأثيره لا يرتبط بفهمه عند ابن القيم، ومع هذا التصريح من ابن القيم فإننا نجد أنه جعل الحلاوة واللذة التي تنفذ في المرء عند سماع القرآن الكريم تكون آكد وأقوى إذا كان المرء عالمًا بلغة العرب، فتأثير القرآن الكريم عامٌ في من فهم العربية أو لم يفهمها إلا أن الوقوف على إعجاز القرآن الكريم، وملاحظة فضل القرآن الكريم على سائر كلام العرب لا يكون إلا لمن كان عالمًا بلغة العرب، متقنًا لها، محيطًا بفنون القول فيها، ولهذا نصّ ابن القيّم على هذا المعنى بقوله:"وإنما يعرف فضل القرآن من عرف كلام العرب، فعرف علْم اللغة، وعلم العربية، وعلم البيان، ونظر في أشعار العرب وخطبها..، فإذا علم ذلك، ونظر في هذا الكتاب العزيز، ورأى ما أودعه الله سبحانه فيه من البلاغة، والفصاحة..." [1] ، بعدها قال:"ولذلك يقع في النفوس عند تلاوته، وسماعه من الروعة ما يملأ القلوب هيبة...".
أما قول الخطابيّ فيلاحظ فيه أن الخطابيّ لم ينص على أن تأثير القرآن الكريم يمكن أن يكون في غير الفاهمين للغة العرب، كما أنه لم يذكر الإعجاز الروحي إلا بعد أن استعرض في مقدمة رسالته تلك الكلام عن بلاغة القرآن، وما حواه من أجناس الكلام، وأكد إعجاز القرآن من هذا الجانب بقوله:"واعلم أن القرآن إنما صار معجزًا لأنه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمّنًا أصح المعاني" [2] .
(1) المرجع السابق، (ص: 9) .
(2) الخطابي، بيان إعجاز القرآن، (ص: 27) .