أولًا: روي ابن اسحق في السيرة أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يصلي بالليل في بيته، وأخذ كل رجل منهم مجلسًا ليستمع فيه وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا أو طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودن، لو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقالوا: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصا ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: حدثني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد، فقال يا أبا ثعلبة: والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وأشياء ما أعرف معناها ولا ما يراد بها، فقال الأخنس: وأنا والذي حلفت له به، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم: ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى تدرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا، ولا نصدقه، فقام عنه الأخنس بن شريق [1] .
(1) ابن إسحاق، محمد بن إسحاق بن يسار، (ت: 151هـ) ، سيرة ابن إسحاق المسماة بكتاب المبتدأ والمبعث، (4/168-169) ، معهد الدراسات والأبحاث، تحقيق محمد حميد الله. وهو عند ابن هشام السيرة النبوية (1/352) ،. والكلاعي، ، الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ومغازي الثلاثة الخلفاء (1/235 ، والسيوطي، جلال الدين عبد الرحمن(ت: 911م) ، كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب (1/192) دار الكتب العلمية - بيروت (ط1/1985م) .