وليس فيما ذهبوا إليه دلالة لهم، فالآية من قبيل ضرب المثل في أن الجبل لو فهم لعلم وخشع غير أن الجبل لا يعقل، ولا يفهم لذلك فلا نطلب منه الخشوع،فإن (لو) كما هو معلوم حرف امتناع لامتناع، أي امتنع تصدع وخشوع الجبل لامتناع إنزال القرآن عليه،ومما يؤكد أن الآية من قبيل ضرب المثل، والتخييل قوله تعالى في نهاية الآية (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) .
قال ابن كثير عند هذه الآية:"أي فإذا كان الجبل في غلظته، وقساوته لو فهم القرآن، فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فكيف يليق بكم أيها البشر أن لا تلين قلوبكم، وتخشع، وتتصدع من خشية الله وقد فهمتم عن الله أمره، وتدبرتم كتابه؟!" [1] .
ولست هنا أنكر أثر القرآن الكريم على الجمادات، فربما أثبتت الدراسات يقين هذا الأمر، إنما الذي أنبه إليه أن الآية -التي هي مناط الاستدلال- لا تسعف من حملها هذا المحمل.
وفي صحيح السنة شواهد قريبة تبيّن تأثر الجماد بالذكر والقرآن نحو قصة حنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تركه واتخذ منبرًا،"فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار _ أو رجل _:يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا ؟ قال: إن شئتم ، فجعلوا له منبرا ، فلما كان يوم الجمعة دُفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي ،ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم، فضمها إليه تئن أنين الصبي الذي يسكّن . قال:كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها" [2] .
(1) ابن كثير، إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي (ت: 774هـ) ، تفسير القرآن العظيم (4/343) دار المعرفة - بيروت (1969م) .
(2) البخاري: صحيح البخاري ومعه فتح الباري، كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام رقم (3584 ) (6/696) .