ومما أثار حفيظة البعض على الترابي رده بضعة أحاديث في البخاري ومسلم ، وأكثر هؤلاء ممن اعتادوا الأجوبة السهلة على الأسئلة الصعبة ، فأغلب أحكام الشريعة عندهم معلومة من الدين بالضرورة ، وجلُّ النصوص محكمة ، وجميع أحاديث الصحيحين ثابتة ، ولم يترك المتقدمون للمتأخرين من قول . ولقد سمعت أحد هؤلاء يرد على الترابي قائلا:"إذا قال مسلم إن الماء حرام فهو كافر ، لأن ذلك من المعلوم من الدين بالضرورة"، فتعجبت من البون الشاسع بين هذا القول وبين قول الله تعالى:"ولكن من شرح بالكفر صدرا" [71] . كما سمعت آخر يقول:"إن من رد حديثا واحدا صحيحا فهو كافر"وهو لا يدري - على ما يبدو - أن العلامة ابن دقيق العيد جمع مجلدا من الأحاديث الصحيحة ، التي لم يعمل بها هذا الإمام أو ذاك من أئمة المذاهب الأربعة .
فليس رد حديث آحاد صحيح لاعتقاد مخالفته القرآن ، أو مخالفته ما هو أصح منه من الأحاديث ، بكفر ولا ذنب ، بل هو عمل اجتهادي يلجأ إليه كل المجتهدين في معرض تعارض الأدلة وتواردها على نفس المحل . كما أن هناك فرقا شاسعا بين راد الحديث النبوي إنكارا للرسالة وتكذيبا بحاملها ، وبين راد الأحاديث اعتقادا بانتحالها وضعف نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم .