كان الاستشراق القديم يقوم على دراسات أكاديمية، وكان يهتم أولًا بالثقافة العالمة، أي بكل ما هو مكتوب، على حين أن الاستشراق الجديد يهتم بالثقافة غير العالمة، والحياة اليومية المعيشة، أي أن الأمة في ثقافتها المحركة لها في حياتها اليومية كانت هي موضوع الدراسة، وهذا يعني أن الجهود التي كان يقوم بها الاستشراق التقليدي كانت تنصب على ثقافة نائمة أو ميتة، أما الاستشراق الجديد فيهتم بالثقافة الحية المنتشرة بين الناس، وهذا فرق خطير بين الاستشراق القديم والجديد، فالثقافة في تعريفها الأنثروبولوجي هي هوية الأمة، وتتشكل من مجموع ما ينتجه المجتمع، ويحكمه، من قيم وعادات وتقاليد وأخلاق ومفهومات تظهر في سلوك الفرد اليومي، من خلال علاقته مع الآخر والمجتمع، وفي شتى المجالات من الأحزان والأفراح والأعياد والزواج والطلاق والمناسبات الدينية والاجتماعية. وهذه العناصر التي تشكل الثقافة غير العالمة/الشعبية تختلف أو تتفق مع الثقافة العالمة، فالثقافة العالمة المكتوبة في المؤلفات ثقافة نظرية لا وجود لها في الواقع بين الناس إلا بشكل نسبي، لذلك فإن المستشرقين القدامى لم يتمكنوا من عرفوا آلية التفكير لدى المسلم من خلال دراسة الثقافة العالمة المكتوبة، ولكنهم م يعرفوا كيف يفكر ويتصرف من خلال الثقافة غير العالمة، وتمكن من ذلك الاستشراق الجديد. وحين نعرف أن من سمات الثقافة غير العالمة أنها تنبُّئِية، أي أن من يدرسها يتوقع طبيعة ردود الأفعال عند أصحابها، فإننا ندرك كيف يمكن لهذا الدارس أن يجعل هؤلاء يتصرفون كما يشاء من خلال وضعهم أما أفعال ينتج عنها بالضرورة ردود أفعال يريدها هو، لتخدم مصالحه، وهذا لا يمكن معرفته إلا من خلال دراسة الثقافة الشعبية/غير العالمة.