لقد امتلك الاستشراق القديم ناصية المثقفين، وصاغهم على شاكلته، ومارس سيطرته مباشرة، أو من خلال السياسيين والمثقفين الذين أحسن إنشاءهم، أما الاستشراق الجديد، منذ منتصف القرن العشرين إلى اليوم، فهو لم يعد يهتم بالمثقفين لأنهم ملكه، وإنما أصبح يهتم بالثقافة غير العالمة، ويمارس تأثيره عليها من خلال وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة وعلى رأسها المحطات الفضائية وشبكة الأنترنت، بالإضافة إلى تدخله لتغيير مناهج التعليم في كل مراحله في البلاد العربية والإسلامية على السواء، لأن هذه الثقافة تمثل القوة النائمة في أعماق الأمة، وهي هويتها المرتبطة بالقرآن أساسًا، وبالثقافة العربية الإسلامية بشكل عام. ووجد هذا الاستشراق أن هذه القوة خطرة على الرغم من كونها مهمشة من قبل الساسة والمثقفين العرب، لأنها قد تصحو في يوم من الأيام. هذه الثقافة النائمة هي كالنار تحت الرماد، وعندما يقيض الله لها قائدًا حكيمًا مخلصًا لأمته يتمكن من إعادة الوهج لها، فسوف تطضرم، وتحرق أعداء هذه الأمة. والاستعمار الغربي، من خلال الاستشراق الجديد يريد أن يقضي على هذه الجذوة النائمة، حتى إذا ما جاء رجل كصلاح الدين أو نور الدين زنكي لم يجد الظروف مهيأة لإحياء الأمة، كما فعلا في زمن الحروب الصليبية.
الغرب المستعمر لا يقرأ تاريخنا من أجل مصلحتنا، وإنما ليسيطر علينا بطريقة أفضل، والاستشراق الجديد يهدف إلى تدمير البنية الثقافية الاجتماعية أو الثقافة غير العالمة، أو على الأقل زرع الخلل في تلك البنية، والشك في هذه الثقافة، ولكنه على علم أنه لن يتمكن على الإطلاق من أن يقتلع هذه الثقافة لأن جذورها تعود إلى القرآن الكريم الذي لا يمكن محو تأثيره من حياة المسلمين عامة، ولذلك فإن كل ما يسعى إليه هو إشاعة عدم الثقة بين الأمة وثقافتها من خلال وصفها بأنها سبب تخلفها، وأنه عليها، إن أرادت التطور، أن نتخلى عن هويتها.