• فأطيب الحياة على الإطلاق حياة هذا العبد ؛ فإنه محب محبوب متقرِّبٌ إلى ربِّه ، وربُّه قريبٌ منه ؛ قد صار له حبيبه ؛ لفرط استيلائه على قلبه ، ولهجه بذكره ، وعكوف همته على مرضاته ؛ بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله ؛ وهذه آلات إدراكه وعمله وسعيه .
• فإن سمع سمع بحبيبه ، وإن أبصر أبصر به ، وإن بطش بطش به ، وإن مشى مشى به .
• فإن صعب عليك فهم هذا المعنى ، وكون المحب الكامل المحبة: يسمع ويبصر ويبطش ويمشي بمحبوبه وذاته غائبةٌ عنه = فأضرب عنه صفحًا ؟!! ، وخلِّ هذا الشأن لأهله:
( خل الهوى لأناس يعرفون به •••• قد كابدوا الحب حتى لان أصبعه )
• فإن السالك إلى ربِّه لا تزال همته عاكفةً على أمرين:
1-استفراغ القلب في صدق الحب .
2-وبذل الجهد في امتثال الأمر .
فلا يزال كذلك حتى يبدو على سرِّه شواهد معرفته ، وآثار صفاته وأسمائه ؛ ولكن يتوارى عنه ذلك أحيانًا ، ويبدو أحيانًا ؛ يبدو من عين الجود ، ويتوارى بحكم الفترة .
• والفترات أمر لازم للعبد ؛ فكل عامل له شرَّةٌ ، ولكل شرَّةٍ فترةٌ ... )) .
• قال ابن الجوزي في صيد الخاطر (ص/133-134) :
(( ليس في الدنيا ولا في الآخرة أطيب عيشًا من العارفين بالله عزوجل ؛ فإنَّ العارف به مستأنسٌ به في خلوته .
فإن عمَّت نعمته علم من أهداها ، وإن مُرًَّا حلا مذاقه في فيه ؛ لمعرفته بالمبتلي .
وإن سأل فتعوَّق مقصوده صار مراده ما جرَّ به القدر ؛ علمًا منه بالمصلحة بعد يقينه بالحكمة ، وثقته بحسن التدبير .
وصفة العارف: أنَّ قلبه مراقبٌ لمعروفه ، قائمٌ بين يديه ، ناظرٌ بعين اليقين إليه ؛ فقد سرى من بركة معرفته إلى الجوارح ما هذَّبها .
فإن نطقتُ فلم أنطق بغيركمُ •••••• وإنْ سكتُّ فأنتم عقد إضماري
إذا تسلَّط على العارف أذى أعرض نظره عن السبب ، ولم يرى سوى المسبب ؛ هو في أطيب عيش معه .