كبير بين الفرض والواقع، ولو أن الزبيدي استند إلى هذه القراءات في بيان مذاهب العرب في همز هذه الكلمة لكان أقوى في الدلالة من كلام الفراء.
ومن باب التحقيق والتخفيف:
• (مِنْسَأَتَهُ) : من قوله تعالى: {فَمَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ} [1] . [التاج: نسأ] .
ذكر الزبيدي أن (المِنْسَأَةَ) قد أَبدلوا همزها إِبْدالًا كلِّيًّا فقالوا: مِنْسَاةٌ وأصلها الهمز ولكنه بَدَلٌ لازمٌ حكاه سيبويه [2] ... وقد قُرِئَ بهما جميعًا قوله تعالى: {تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ} حيث قرئ: {مِنْسَاتَهُ} [3] بلا همز.
قال ابن خالويه:"الحجة لمن همز أنه أتى باللفظ على أصل الاشتقاق؛ لأن العصا سميت بذلك؛ لأن الراعي يَنْسَأُ بها الإبل عن الحوض، أي يؤخرها، والحجة لمن ترك الهمز أنه أراد التخفيف [4] ."
وقال السمين: المِنْسَأَةُ: العَصا اسمُ آلةٍ مِنْ نَسَأهُ أي: أخَّرَهُ كالمِكْسَحَةِ والمِكْنَسَة. وفيها الهمزةُ، وهو لغةُ تميم ... فأمَّا بالهمزةِ المفتوحةِ فهي الأصلُ؛ لأنَّ الاشتقاقَ يدلُّ ويشهد له، والفتحُ لأَجْلِ بناء مِفْعَلة كمِكْنَسَة ... وأمَّا قراءةُ الإِبدالِ فقيل: هي غيرُ قياسيةٍ، يَعْنُون أنها ليسَتْ على قياسِ تَخْفيفِها. إلاَّ أنَّ هذا مردودٌ: بأنها لغةُ الحجازِ ثابتةً، فلا يُلْتَفَتُ لمَنْ طَعَن. وقد قال أبو عمرو: - وكَفَى به -"أنا لا أَهْمِزُها، لأنِّي لا أَعْرِفُ لها اشتقاقًا، فإنْ كانَتْ مما لا يُهْمَزُ فقد أُخْطِئُ. وإن كانَتْ تُهْمَزُ فقد يجوزُ لي تَرْكُ الهمزِ فيما يُهْمَزُ" [5] . وهذا الذي ذكره أبو عمرٍو أحسنُ ما يقالُ في هذا ونظائرِه" [6] ."
(1) سبأ: 14.
(2) انظر الكتاب: 3/ 554، ونص الكتاب:"فمن ذلك قولهم: منساةٌ، وإنما أصلها منسأةٌ."
(3) قراءة نافع، وأبي عمرو، وأبي جعفر، واليزيدي، والحسن، وزيد، ويعقوب. انظر: السبعة: 527، والحجة لابن خالويه: 218، والنشر: 2/ 390، ومعجم القراءات لمختار: 4/ 114.
(4) الحجة لابن خالويه: 293، وانظر الحجة لأبي زرعة: 584، والدر المصون: 12/ 74 - 76.
(5) رواها عنه الفراء في معاني القرآن: 2/ 357.
(6) الدر المصون: 12/ 74، 75.