فإذا قارنت بين المتقدمين والمتأخرين في نقد المتون أو الحكم على الأحاديث بمخالفتها للمتون الصحيحة، فإنك تجد بعض المتأخرين قد جازف في بعض أحكامه، تدرك مِن ذلك مَن الذي تضلع من معرفة السنن الصحيحة واختلطت بلحمه ودمه حق الاختلاط؟!
فانظر مثلًا إلى ما انتقده العلماء على ابن حبان، وابن الجوزي، والجوزقاني من المجازفات في رد بعض الأحاديث لتوهم مخالفتها للسنة الصحيحة.
قال الحافظ العلائي -رحمه الله- (ت: 761هـ) : «ولهذا انتقد العلماء على أبي الفرج ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات) وتوسّعه في الحكم بذلك على كثير من الأحاديث التي ليست بهذه المثابة» [الفوائد الموضوعة في الأحاديث المرفوعة ص63-64] .
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- (ت: 852هـ) : «فقد أخطأ من حكم بالوضع بمجرد مخالفة السنة مطلقًا، وأكثر من ذلك الجوزقاني في كتاب (الأباطيل) له» [النكت على كتاب ابن الصلاح (2/846) ] .
وقال أيضًا: «وكما زعم ابن حبان في (صحيحه) أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إني لست كأحدكم، إني أطعم وأسقى) دال على أن الأخبار التي فيها أنه كان يضع الحجر على بطنه من الجوع باطلة.
وقد رد عليه ذلك الحافظ ضياء الدين فشفى وكفى» [النكت على كتاب ابن الصلاح (2/846-849) ] .
بعد هذا العرض لجملة من الأمور التي تبين وتوضح حقيقة الفرق بين علوم المتقدمين وعلوم المتأخرين في علل الأخبار ونقد الرجال والروايات، فإنه لا يرتاب عاقل أن المتقدمين أقعد بالعلم من المتأخرين.
كذلك لا يرتاب عاقل في أن حدس المتقدمين في نقد الأخبار والتمييز بين المرويات فارط جدًا، وأن حكمهم على الأحاديث لقرائن احتفت بها عدلوا بسببها عن اطراد الكليات إنما هو لغلبة ظن ثبتت عندهم، وأن تعقبهم بإعمال القواعد وإهمال القرائن دائمًا غير سديد.