الصفحة 23 من 31

وبهذا يتبين لك كيف يعلل جماعة من المتقدمين بعض الأحاديث دون أن يذكروا لها علة، وربما سُئلوا عن العلة، فكان جوابهم أنهم لا يعرفون لها علة [هم يعرفون أنه معلول، لكن تعيين العلة يحتاج إلى أمور أخرى، كالاطلاع على أصول الرواة، ولا بد هنا من التنبيه إلى أن أولئك المتقدمين يعللون أحيانًا بعلل غير قادحة، قال العلامة عبدالرحمن المعلمي -رحمه الله-: «ابن المديني، والبخاري، وأبو حاتم، وغيرهم، فإن لهم عللًا ليس كل منها قادحة حيث وقعت، ولكنها تقدح إذا وقعت في خبر تحقق أنه منكر، وهذا من أسرار هذا الفن» الأنوار الكاشفة ص297] .

فهذا الحدس الذي عند المتقدمين لا يكاد يشاركهم فيه أحد، فإنه يعزّ أن تجد مثل هذا الإعلال عند المتأخرين.

وأما سكوت بعض المتأخرين عن إظهار علل بعض الأحاديث التي أعلوها، فإنما هو اختصارًا، أو لأن العلة أظهر من أن يُنبه عليها.

قال عبدالرحمن بن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن حديث رواه بقية عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يكن يرى بالقز والحرير للنساء بأسًا.

فقال أبو زرعة: «هذا حديث منكر» . قلت: تعرف له علة؟ قال: «لا» [العلل لابن أبي حاتم (1/488- رقم 1462) ] .

وكذلك تجد المتقدمين يذكرون الصواب في الحديث، ثم من أي الرواة وقع الخلل، فهذه وسيلة، والغاية قد حصلت.

قال المروذي: ذكرت له -يعني: الإمام أحمد- حديث الحسين الجعفي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر: أسلم سالمها الله, فأنكره إنكارًا شديدًا، وقال: «هذا عبد الله بن دينار عن ابن عمر. انظر الوهم مِن قِبَل مَن هو؟» [العلل ومعرفة الرجال عن الإمام أحمد بن حنبل رواية المروذي (ص148-148- رقم 264) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت