الصفحة 22 من 31

وهذه القرائن عند المتقدمين بمنزلة القواعد والبيّنات، وهي عند المتأخرين خفية وغامضة [قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «قرائن الأحوال في الغالب لا يمكن نقلها» شرح العمدة كتاب الصيام (1/97) ] ، تعكّر عليهم قواعدهم المرعية، ويبقى بعضهم تنازعه نفسه في تقديمها على المعهود من القواعد، فيلزم تلك القواعد، أو يقضي بما قضى به الأولون تحسينًا للظن بهم، أو هيبةً لهم، لكن لن يصل المتأخر بحال إلى درجة القناعة التي وصل إليها المتقدم.

والمتأخر ينظر للحديث بعين القواعد المرعية، فإذا لم يجد أو لم يقع على إفصاح لمتقدم عن المرجحات المحتفة بذلك الحديث أمضى تلك القواعد، ولو قرع سمعه حكم المتقدمين، ويغفل عن هذا الصارف الذي لا يعلمه، فيجعله بمنزلة المعدوم لعدم الإفصاح به من متقدم أو عدم الوقوف عليه، ولا يُقدِّر لرجله الخطوة، فلا تراه يُحجم عن مخالفة المتقدم.

قال علامة اليمن ومحدثها مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله- (ت: 1422هـ) : «وقد تقصر عبارة المعلل منهم، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في نقد الصيرفي سواء، فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك، نتبعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه» [مقدمة أحاديث معلة ظاهرها الصحة ص17] .

وقد بين العلماء كيف يعدل الأئمة عن الكليات لتلك القرائن حتى ينتبه المتأخر، وتنتفي عنه الحيرة، ويعلم أن القوم عن علم عدلوا إلى تلك القرائن.

قال أبو عبدالله محمد بن رُشيد الفهري (ت: 721هـ) : «والحكم على الكليات بحكم الجزئيات لا يطرد، فقد يكون لكل حديث حكم يخصه، فيطلع فيه على ما يُفهم اللقاء أو السماع، ويثير ظنًا خاصًا في صحة ذلك الحديث، فيصحح اعتمادًا على ذلك لا من مجرد العنعنة» [السنن الأبين ص136، 137] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت