والمنع هنا أولى ووجهه أن هذه الأفعال شبهت بما يتعدى إلى واحد، قالوا: فلا يزاد عليه، ضرب زيد عمروًا ينصب واحدًا، إذًا كان ليس لها إلا منصوب واحد فقط، لماذا؟ لأنها إنما أعملت حملًا على ضرب، فلذلك لا تتعدى، إذًا وجد المانع من تعدد الخبر هنا، ومن جوزه قال: هو في الأصل خبر مبتدأ، فإذا جاز تعدده مع العامل الأضعف وهو الابتداء فمع الأقوى أولى، لكن هناك العامل في الخبر ليس هو الابتداء، بل هو المبتدأ، فليس هو ضعيف، بل كان والمبتدأ قد يكونان في مرتبة واحدة؛ لأن كان ليست فعلًا متمحضًا حتى نقول: هو مثل ضرب، وإنما هو ضعيف، فإذا كان ضعيفًا حينئذٍ الأصل في المبتدأ ألا يعمل أيضًا، ولكنه أعمل هناك للاقتضاء؛ لأنه لا يتم معناه إلا بالمبتدأ كالمضاف مع المضاف إليه.
إذًا: قولان في جواز تعدد خبر كان، القياس يقتضي ألا يتعدد، هذا هو القياس، واستصحاب الأصل يقتضي أي يتعدد.
الثانية قال أبو حيان: نص أصحابنا على أنه لا يجوز حذف اسم كان وأخواتها، ولا حذف خبرها لا اختصارًا ولا اقتصارًا، -هذا الأصل فيه، ولذلك اختصت كان لأنها أم الباب بما ذكر، أما ما عدا كان فلا يجوز، لا حذف اسم أصبح ولا خبرها إلى آخره، ولذلك خص الحكم بكان لأنها أم الباب فهو استثناء من الأصل- (لا اختصارًا ولا اقتصارًا) ما الفرق بينهما؟
الاختصار: هو حذف لدليل، والاقتصار: هو حذف لا لدليل.
إن حذف لقرينة -لدليل- سمي اختصارًا، وإن حذف لا لدليل هكذا لا لقرينة لا للعلم به .. صار اقتصارًا، ففرق بين الاختصار والاقتصار.
نص أصحابنا على أنه لا يجوز حذف اسم كان وأخواتها ولا حذف خبرها لا اختصارًا ولا اقتصارًا، أما الاسم فلأنه مشبه بالفاعل، والفاعل لا يجوز حذفه، وأما الخبر فكان قياسه جواز الحذف؛ لأنه إن روعي أصله وهو خبر المبتدأ فإنه يجوز حذفه للعلم به، أو ما آل إليه من شبهه بالمفعول فكذلك، يعني إما أن يكون في الأصل أن يراعى الأصل وهو أنه خبر، والخبر يجوز حذفه للعلم به، أو ما آل إليه بعد دخول كان وهو كونه مشبهًا بالمفعول به - وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ.
حينئذٍ على الطريقتين قبل دخول كان وبعد كان الأصل فيه القياس يقتضي أنه يحذف.
لكنه صار عندهم عوضًا من المصدر؛ لأنه في معناها إذ القيام: كون من أكوان زيد، والأعراض لا يجوز حذفها، قالوا: قد تحذف في الضرورة، يعني اسم كان لغير ما ذكر من الشروط السابقة وأخواتها قد تحذف في الضرورة.
ومن النحويين من أجاز حذفه لقرينة اختيارًا، يعني لا في الضرورة، إذا دل عليه دليل وعلم المحذوف سواء كان اسم كان أو خبرها جاز، وهذا هو الأصل والمطرد الذي ذكرناه.
وفصّل ابن مالك فمنعه في الجميع إلا ليس، منعه في الجميع لا يحذف منه لا اسم ولا خبر، إلا ليس لوجود السماع المقتضي ذلك.
فأجاز حذف خبرها اختيارًا ولو بلا قرينة، لماذا؟ إذا كان اسمها نكرة عامة تشبيهًا بـ: لا، كقولهم: ليس أحد أي: هنا، لكن هذا مسموع حكاه سيبويه، ليس أحد هنا، هنا هذا حذف كما ذكرناه سابقًا.
هذا مسموع يحفظ ولا يقاس عليه، وحينئذٍ نقول: الأصل عدم جواز حذف اسم كان وخبر كان، هذا هو الأصل، لما ذكرناه من الأمور.
ثم قال رحمه الله تعالى: