على كلٍّ لا بد من تخريجه، وإذا لم يمكن حينئذٍ نحكم عليه بأنه ضرورة أو شاذ.
وأشار بقوله: وَمَا لِمَعْرِفَهْ أُضِيفَ إلى أن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة، وقصد به التفضيل جاز فيه وجهان: المطابقة وعدم المطابقة، وأنت مخير، وإن كان الغالب هو غير المطابقة.
أحدهما: استعماله كالمجرد فلا يطابق ما قبله، فتقول: الزيدانِ أفضلُ القومِ، الزيدانِ هذا مبتدأ، وأفضلُ خبر وهو مضاف إلى القومِ، المضاف إليه هنا معرفة، وحينئذٍ لك أن تفرد يعني: تعامله معاملة المجرد أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا لكن لا يلزم وإنما يعامل معاملته فقط في اللفظ، فتقول: الزيدانِ أفضلُ القومِ، والزيدونِ أفضلُ القومِ، وهندٌ أفضلُ النساء، والهندانِ أفضلُ النساء، والهندات أفضلُ النساء.
يعني: يلزم الإفراد والتذكير، ليس على جهة الإيجاب وإنما حملًا له على المجرد.
والثاني: استعماله كالمقرون بالألف واللام (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) يعني: يطابق ما قبله، أيضًا هنا ليس واجبًا كالسابق المحلى بأل، وإنما يعامل معاملته.
فتجب مطابقته لما قبله فتقول: الزيدانِ أفضلا القومِ، والزيدونَ أفضلوا بالواو، أفضلُ القومِ، بحذف الواو، وأفاضل القوم، وهند فضلى النساء، والهندان فضليا النساء، والهنداتُ فضَّلُ النساء أو فضليات النساء، يعني تأتي بالجمع المسموع في لسان العرب، إن سمع التكسير جئت به، وإن سمع ألف وتاء جئت به، وإن سمع عدة جمع للتكسير لا بأس، ائت بما شئت.
ولا يتعين الاستعمال الأول خلافًا لابن السراج، وقد ورد الاستعمالان في القرآن والحمد لله. فمن استعماله غير مطابق قوله تعالى: (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ) ) [البقرة:96] تَجِدَنَّهُمْ هم، (أَحْرَصَ النَّاسِ) أَحْرَصَ هذا أفعل تفضيل، وهو مضاف إلى الناس، وهو معرفة،: وَمَا لِمَعْرِفَهْ أُضِيفَ، إذًا أضيف إلى معرفة، وهنا الموصوف (لَتَجِدَنَّهُمْ) الذي هو المفعول به (أَحْرَصَ) لزم حالة واحدة وهو أنه مجرد، وهذا هو الغالب.
ومن استعماله مطابقًا قوله: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا ) ) [الأنعام:123] (أَكَابِرَ) جمع، أكبرَ أكابر، (مُجْرِمِيهَا) هذا جمع، (فِي كُلِّ قَرْيَةٍ) هذا معناه ولفظه الجمع .. أَكَابِرَ، أكبر طابق أو لا؟ طابق، إذًا هذا ورد في القرآن.
وقد اجتمع الاستعمالان (( هُمْ أَرَاذِلُنَا ) ) [هود:27] أراذل، هذا طابق، إذًا جاء في القرآن مطابقًا، وقد اجتمع الاستعمالان في قوله صلى الله عليه وسلم: {ألا أخبركم بأحبِكم"أحبِّ"إلي وأقربكم"أقربِ"مني منازلَ يوم القيامة أحاسنكم} أحاسن: جمع أحسن، إذًا أفرد في أقرب، وأحب، وجمع في أحاسنكم أخلاقًا. حيث أفرد أحبَ وأقربَ وجمع أحسنَ.
والذين أجازوا الوجهين قالوا: الأفصح المطابقة، لكن الغالب .. الكثير استعماله غير مطابق. والذين أجازوا الوجهين قالوا: الأفصح المطابقة، ولذلك عيب على صاحب الفصيح -ثعلب- في قوله: فاخترنا أفصحهُنَ قالوا: فكان ينبغي أن يأتي بالفصحى فيقول: فصحاهُنَ، على كل هو بشر.