ولا يجوز ترك الإضمار في هذا المقام يعني الفاعل، فلا تقول (يحسن ويسيء ابناك) لا يجوز هذا، خلاف للفراء، ولا: بغى واعتدى عبداك؛ لأن تركه -يعني ترك الإضمار- يؤدي إلى حذف الفاعل، والفاعل ملتزم الذكر، وقد قال لك: (والْتَزِمْ مَا الْتُزِمَا) ، فوجب حينئذٍ التزام ذكر الفاعل، وأجاز الكسائي ذلك على الحذف بناءً على مذهبه في جواز حذف الفاعل، وقلنا: هذا مذهب ضعيف، وأجازه الفراء على توجه العاملين معًا إلى الاسم الظاهر، وهذا بناءً منهما على منع الإضمار في الأول عند إعمال الثاني، فلا تقل: يحسنان ويسيء ابناك، هذا ممنوع عندهما، فرارًا من عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وهذا الذي ذكرناه عنهما هو المشهور من مذهبهما في هذه المسألة ..
وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ ... بِمُضْمَرٍ لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلًا
بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ ... وَأَخِّرَنْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ
هذا كالاستثناء مما سبق، ما سبق قال: (وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ فِي ضَميِرِ مَا تَنَازَعَاهُ) مطلقا، سواءٌ كان ما تنازعاه على أنه فاعل مرفوع، أو على أنه مفعول به منصوب، أو على أنه مجرور مطلقًا، وهذا فيه تفصيل ليس على إطلاقه.
(وَلاَ تَجِىءْ) : هذا نهي، (مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ) : أَوَّلٍ بالصرف هذا للوزن، صرفه للوزن، (مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ بِمُضْمَرٍ لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلًا) إذًا إذا أهملت الأول فلا تضمر فيه إلا الفاعل فحسب، وأما المفعول به والمجرور فيجب حذفه: (بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ) ، حينئذٍ قوله: (وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ) ، وهذا يشمل إذا كان المهمل هو الأول، أعمله فِي ضَميِرِ مَاتَنَازَعَاهُ، إذا كان الأول يطلب فاعلًا حينئذٍ أعمله في ضميرٍ على أنه فاعل، وإذا كان الأول يطلب مفعولًا أعمله في ضميرٍ يعود على ذلك الاسم الظاهر، فيكون مفعولًا، قال لا هذا ليس مراد.
العموم السابق مخصص بهذا البيت، وإنما يختص إعمال الأول المهمل بإضمار الفاعل فحسب، وأما المفعول والمجرور يجب حذفه، قال: بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ .. الزم حذفه، فلا تقل حينئذٍ: ضربت وضربني زيدٌ، ضربني هذا متأخر، أعملت الثاني ضربني ورفعت زيد على أنه فاعل له، والأول ضربت ماذا يحتاج؟
يحتاج مفعولًا به، هو قال: وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ فِي ضَميِرِ مَا تَنَازَعَاهُ، الأول افتقر إلى مفعول به، فالأصل أن يقال: ضربته وضربني زيدٌ، لكن قال: لما كان الأول هذا اتصل به ضمير منصوب وجب حذفه.