الشرعية الخمسة الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة يريد أن وجه استمداد الأصول
من الأحكام إنما هو من جهة مباديه التصورية إذ لا بد فيه من تصورها ليمكن إثباتها أو نفيها
كما إذا قلنا الأمر للوجوب لا الندب وإنما صرح بكونها أجزاء مستقلة دفعا لما ذكر في بعض
الحواشي من أنها جعلت في الفقه مبادئ استقلالا وفي الأصول استمدادا لكونها محمولات
لمسائل الفقه وأعراضا ذاتية لموضوعه ومتعلقات لمحمولات مسائل الأصول وبين ذلك بقوله
( كالفقه ) أي كما أن الفقه يستمد من هذه الأجزاء ( يجمعهما ) أي الأصول والفقه في
الاستمداد منها ( الاحتياج ) الكائن لكل منهما ( إلى تصور محمولات المسائل ) أي
مسائلهما وذلك لما عرفت من أن موضوعات مسائل الأصول الأدلة السمعية ومحمولاتها
ما يرجع إلى كونها مثبتا للحكم الشرعي وموضوعات مسائل الفقه أفعال المكلفين ومحمولاتها
الأحكام الشرعية ( على أن الظاهر ) أن يكون ( استمداد الفقه إياها ) أي تصورات
الأحكام المذكورة ( منه ) أي من علم الأصول ( لسبقه ) أي الأصول الفقه لكونه فرعا
تيسير التحرير ج:1 ص:47
عليه ( وإن لم يدون ) الأصول قبل الفقه فإن أول من دون الفقه ورتب كتبه وأبوابه الإمام
أبو حنيفة رحمه الله قال الإمام الشافعي رحمة الله عليه من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة
نقله الفيروزابادي الشافعي رحمه الله في طبقات الفقهاء وغيره وقال المطرزي في الإيضاح ذكر
الإمام السرخسي في كتابه أن ابن سريج وكان مقدما في أصحاب الشافعي بلغه أن رجلا يقع في
أبي حنيفة رحمه الله فدعاه فقال يا هذا أتقع في رجل يسلم له الناس ثلاثة أرباع العلم وهو
لا يسلم لهم الربع فقال وكيف ذلك فقال الفقه سؤال وجواب وهو الذي تفرد بوضع
السؤال فسلم له نصف ثم أجاب عن السؤال وخصومه لا يقولون أنه أخطأ في الكل فإذا
جعلت ما وافقوه فيه مقابلا لما خالفوه فيه سلم ثلاثة أرباع العلم له وبقي بينه وبين جميع الناس