... ومما يستشهد به أيضًا في هذا المقام أن الله تعالى لم يأمر المسلمين بالجهاد في بداية الإسلام ، بل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مأمورًا بالعفو والصفح كما كان توجيه الله تعالى له: ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) [1] ، (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [2] ، ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) [3] وغيرها من الآيات المكية [4] ، وقد عُلِّل هذا بأن المسلمين في تلك المرحلة لم تكن لهم القوة ولا العدد الذي يمكن أن يواجهوا به أعداء الله ، فلم يؤمروا بالقتال ، ولكن بعد الهجرة ، وبعد حصول الشوكة والأنصار بالمدينة النبوية أذن لهم في القتال [5] .
ثانيًا: الأحكام الأصلية والاستثنائية ( الرخصة والعزيمة ) :
... لقد جاءت الشريعة الإسلامية لرعاية مصالح العباد في الدنيا والآخرة ، فأوجب الله تعالى العديد من الأمور التي فيها المصلحة الكاملة أو الراجحة ، مثل إيجاب الصلاة والصوم والحج والزكاة وغير ذلك ، وكان تحريم الزنا وشرب الخمر وعقوق الوالدين وغيرها من الأمور التي فيها المفسدة الظاهرة ، وبين هذا وذاك الكثير من المندوبات والمكروهات والمباحات ، وكل أمر أوجبه أو حرمه الله تعالى ابتداءً يسمى عزيمة [6] ، أوبعبارة أخرى فإن العزيمة هي الأحكام الأصلية التي لا تتعلق بالعوارض التي تطرأ على المكلف [7] ، مثل المرض والإكراه والسفر.
(1) ) المائدة: من الآية13
(2) ) المؤمنون: من الآية96
(3) ) المزمل:10
(4) ) انظر الجامع لأحكام القرآن ، للإمام القرطبي (2/347) .
(5) ) انظر تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير (1/525)
(6) ) انظر المستصفى للغزالي (1/78) ، و الموافقات للشاطبي (1/300) .
(7) ) انظر أصول البزدوي (1/135) .