هذا التدرج في تعديل وتغيير الحياة الجاهلية كان مراعاة لواقع الناس ، الذين يصعب عليهم الانتقال من حياة ألفوها واعتادوا عليها فجأة ، فاقتضت حكمته تعالى الانتقال بهم بهذا النهج الذي هو أدعى إلى القبول والامتثال ، خصوصًا مع أولئك العرب الذين كانوا في إباحية مطلقة تجعلهم ينفرون من التكليف بالجملة [1] .
ب/ تأخير الأحكام حتى تغير الحال:
إن أحكام الإسلام ما جاءت كلها جملة واحدة ، بل الكثير منها أُخر إلى حين مجيئ الحال والوقت المناسب ، ومن أظهر الأمثلة على ذلك أن الأصنام كانت منتشرة حول الكعبة المشرفة ، وكان المشركون في تعظيم مستمر وعبادة خالصة لها ، وقد جاء الإسلام إصلاحًا للعقائد وإرجاعًا للبشر إلى تعظيم ربهم الواحد الأحد جل وعلا ، ومع ذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر المسلمين بتحطيم هذه الأصنام والأوثان في بادئ الأمر ، إذ لم يكن الوقت مناسبًا ، ولا الحال ملائمًا ، لأن هذا كان من شأنه أن يثير حفيظة أهل الشرك ، فيزدادون نفورًا من الإسلام أولًا ، ثم إنهم لن يتوانوا في الثأر لآلهتهم والنيل من المسلمين الذين لم تكن لهم القوة والمنعة في تلك المرحلة ، ولكن عندما هاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - , وتبدل الواقع ، وجاء فتح مكة حطمت الأصنام وأزيلت من حرم الكعبة المشرفة [2] .
(1) ) المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي ، مصطفى شلبي ، ص 75 .
(2) ) انظرالسيرة النبوية لابن هشام (5/81) .