... في بداية الحديث عن هذه الخاصية لا بد لنا من استجلاء معناها وتوضيح مفهومها ، حتى لا يفهم غير المقصود منها . فليست المرونة هي تغيير الأحكام الفقهية بدون ضابط أو حد ، فتكون تبعًا لهوى المكلف ورؤيته ، وليست هي قابلية لتغيير الحكم الفقهي دون دليل ومستند شرعي ؛ وإنما المرونة يقصد بها هنا ما شرعه الإسلام من أحكام تراعي الواقع وحال المكلف ، وذلك بمقتضى الدليل الشرعي المعتبر عند علماء الشريعة . وليست كل الأحكام يطرأ عليها التغيير ؛ فهناك الأصول الثابتة التي لا تتغير ، والتي لا تتأثر بواقع و حال المكلف ، مثل قضايا الإيمان والاعتقاد وأصول الأخلاق ، إذ أنها تناسب كل الأحوال وكل العصور بدون استثناء .
... وإذا اتضح القصد من مرونة الفقه الإسلامي ، فهذه بعض الأدلة التي توضح ذلك:
أولًا: مراعاة الأحكام للواقع والحال:
... لقد جاءت رسالة الإسلام والجزيرة العربية ترزح تحت الجهل والضلال ، وتعصف بها الانحرافات في الاعتقاد والسلوك ، إلا من بعض الأخلاق والقيم الموروثة عن ملة إبراهيم عليه السلام ، أو أمْلَتْها عليهم فطرهم السليمة وعقولهم الراجحة . ومثل هذا الواقع كان يحتاج إلى حكمة ربانية ، تأخذه من ذلك الحال إلى رحابة الصلاح والاستقامة ، وتغير مظهر الحياة وجوهرها المشوه بمس الشيطان ، إلى جمالٍ مستمد من النهج الرباني الهادي إلى الصراط المستقيم ، وعلى هذا جاء الإسلام منيرًا للطريق ، ومخرجًا للبشرية من الظلمات إلى النور .