? ومن أهم المقاصد لهذا العلم الرباني ، وضع الحدود التي تنتظم بها الحياة ، وبيان الحقوق والواجبات التي تكفل لكل فرد أو جماعة حياة خالية من المشكلات والخلافات والملاحقات ، في كل الحوانب الاقتصادية أو السياسية أو غيرها ، فإن من أكثر ما يعكر صفو مجتمعاتنا المعاصرة الاعتداءات المستمرة على حقوق الغير ، وضروب من الفساد الإداري والمالي المتمدد في أوصال الحكومات والمؤسسات والمجتمعات ، ونتاج ذلك عصف من الاقتتال والاختلاف والتنازع المتواصل الذي يسلب الحياة طعم الأمن والاستقرار .
? وأما في الجوانب الاجتماعية فإن علم الفقه ثري بالقواعد والضوابط والأحكام التي تحفظ الحقوق الاجتماعية بين الأسر والأفراد والجماعات ، وفي ثنايا تلك الضوابط والقواعد الحدود الرامية إلى حفظ المجتمع من التفكك والضياع والانحراف ، وفيها الترابط الذي يجعل منه جسدًا واحدًا ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .
إن هذه المقاصد عبارة عن إشارات مجملة لكثير من الغايات التفصيلية المتحققة بتطبيق الأحكام الفقهية ، فإن الأمم لا ترتقي لأن تكون أمة ذات حضارة إلا إذا كانت لها أسسًا وقوانين وأحكامًا يحتكم لها أفرادها ، وتلتزمها جماعاتها ؛ وهذا هو شأن كل الحضارات التي كان لها أثر في تاريخ الإنسانية . والتاريخ المعاصر يزخر بالدعوات التي تطلقها المنظمات أو الهيئات ـ دولية أو طوعية أو حكومية ـ تنادي بوضع الأحكام والقوانين التي تحفظ الحقوق الإنسانية ـ كحقوق الطفل و المرأة مثلًا ـ أو تنظم العلاقات بين المجتمعات والدول ؛ وكل ذلك من أجل استقرار وأمن ورفاهية تولد لتنتفع منها الأمم المعاصرة والمستقبِلة .