وَدَلِيلُنَا: عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا [ الْمَائِدَةِ: 33 ] وَلَمْ يَخُصَّ . وَلِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ وَجَبَ بِهِ الْحَدُّ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ وَجَبَ بِهِ ذَلِكَ الْحَدُّ فِي الْمِصْرِ ، كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ . وَلِأَنَّهُمْ فِي الْمِصْرِ أَغْلَظُ جُرْمًا مِنَ الصَّحْرَاءِ: لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَغْلَبَ أَمْنُ الْمِصْرِ وَخَوْفُ الصَّحْرَاءِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمِصْرَ فِي قَبْضَةِ السُّلْطَانِ دُونَ الصَّحْرَاءِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمِصْرَ يَجْمَعُ فِي الْأَغْلَبِ مُلْكَ الْإِنْسَانِ وَلَا تَجْمَعُهُ الصَّحْرَاءُ ، فَكَانَ أَحْسَنَ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يَكُونُوا فِي أَغْلَظِ الْأَمْرَيْنِ كَأَخَفِّهِمَا . فَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِكَبْسِ الدَّارِ فِي الْمِصْرِ ، فَسَنَذْكُرُ مِنْ حُكْمِ الْمِصْرِ مَا يَكُونُ انْفِصَالًا عَنْهُ .
فَصْلٌ: أَمَّا الصَّحْرَاءُ أماكن الحرابة فَلَا فَرْقَ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ مَا قَرُبَ مِنَ الْمِصْرِ أَوْ بَعُدَ عَنْهُ . وَأَمَّا الْقُرَى الَّتِي يَقِلُّ جَمْعُهَا فَهِيَ كَالصَّحْرَاءِ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْحِرَابَةِ فِيهَا . وَأَمَّا الْأَمْصَارُ الْكِبَارُ الَّتِي لَا يُقَاوِمُونَ جَمِيعَ أَهْلِهَا ، فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ فِي أَطْرَافِهَا حُكْمُ الْحِرَابَةِ كَالْقُرَى . وَأَمَّا وَسَطُ الْمَصْرِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَكَاثَرُ النَّاسُ فِيهَا مِنْ أَسْوَاقِهِمْ وَدُورِهِمْ ، إِذَا كَبَسُوا سُوقًا مِنْهَا فَنَهَبُوهَا أَوْ دَارًا فَأَخَذُوا مَا فِيهَا ، فَفِي جَرَيَانِ حُكْمِ الْحِرَابَةِ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْحِرَابَةِ: لِأَنَّهُمْ يُعْلِنُونَ بِالسِّلَاحِ جَهْرًا كَالصَّحْرَاءِ ، وَحَدُّ الْحِرَابَةِ: أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى دَفْعِ الْمُحَارِبِ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَقَلِّينَ وَاخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَنَّهُ لَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْحِرَابَةِ: لِوُجُودِ الْغَوْثِ فِيهِ غَالِبًا ، فَسَقَطَ حُكْمُ نَادِرِهِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ أَخَذَ رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا قِيَاسًا عَلَى السُّنَّةِ فِي السَّارِقِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا اعْتِبَارَ النِّصَابِ فِي قَطْعِ الْحِرَابَةِ كَاعْتِبَارِهِ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ ، وَقِيمَةُ الْمَأْخُوذِ مُعْتَبَرَةٌ فِي زَمَانِ الْأَخْذِ وَفِي مَكَانِهِ إِنْ كَانَ مَوْضِعًا جَرَتِ الْعَادَةُ فِيهِ بِبَيْعٍ وَشِرَاءٍ ، وَيُوجَدُ فِيهِ مَنْ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِيهِ اعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا بَيْعُ ذَلِكَ وَشِرَاؤُهُ . مِنَ الْقِيَمِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِوُجُودِ مُشْتَرِيهِ ، وَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِسْلَامِ النَّاسِ: لِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِمَالٍ فِي تِلْكَ الْحَالِ الْمُتْلِفَةِ لِلْأَمْوَالِ .