فهرس الكتاب

الصفحة 6319 من 8432

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَقْطَعُهُ اسْتِحْسَانًا . وَدَلِيلُنَا: مَعَ عُمُومِ الظَّوَاهِرِ أَنَّ مَنْ ضُمِنَ مَالُهُ جَازَ أَنْ يُقْطَعَ سَارِقُهُ ، قِيَاسًا عَلَى مَالِ الذِّمِّيِّ ، وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ بِسَرِقَةِ مَالِ الذِّمِّيِّ وَجَبَ بِسَرِقَةِ مَالِ الْمُسْتَأْمَنِ كَالضَّمَانِ . وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّالِثُ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ فَيُنْظَرُ ، فَإِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى أَمَانِهِمْ لَمْ يَلْزَمِ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْهُمْ ، سَوَاءٌ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ ، كَمَا لَا يَلْزَمُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إِذَا أَسْلَمُوا ، وَإِنْ لَزِمَتْهُمْ بَعْدَ أَمَانِهِمْ ، لَمْ يَخْلُ مَا لَزِمَهُمْ مِنَ الْحُقُوقِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةَ . وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةَ . وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ . فَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ نُظِرَ مُسْتَحِقُّهَا ، فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ لَمْ يَلْزَمِ اسْتِيفَاؤُهَا لَهُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مَالٍ أَوْ بَدَنٍ ، وَقِيلَ لَهُمْ: إِنْ تَنَاصَفْتُمْ وَإِلَّا نَبَذْنَا إِلَيْكُمْ عَهْدَكُمْ ، ثُمَّ صِرْتُمْ بَعْدَ بُلُوغِ مَأْمَنِكُمْ حَرْبًا . لِمَا تُوجِبُهُ دَارُ الْإِسْلَامِ مِنَ التَّنَاصُفِ ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقُّهَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا وَجَبَ أَنْ يُسْتَوْفَى لَهُ حَقُّهُ مِنْهُمْ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ فِي بَدَنٍ كَالْقِصَاصِ أَوْ فِي مَالٍ كَالدُّيُونِ والْغُصُوبِ: لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ بِالْأَمَانِ أَنْ نُؤَمِّنَهُمْ ، وَجَبَ أَنْ نُؤَمِّنَهُمْ بِمَا يُوجِبُهُ الْأَمَانُ مِنْ تَسَاوِي الْجِهَتَيْنِ فِيهِ . وَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ الْمَحْضَةُ ، فَقَتْلٌ بِرِدَّةٍ وَحَدٌّ فِي زِنًا ، فَأَمَّا الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ فَيَسْقُطُ عَنْهُمْ وَلَا يُسْتَوْفَى مِنْهُمْ: لِأَنَّ عَهْدَهُمْ يَعُمُّ مَنْ يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ وَمَنْ لَا يُقَرُّ ، بِخِلَافِ الذِّمَّةِ الَّتِي لَا تَسْتَقِرُّ إِلَّا فِيمَنْ يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ ، وَيَكُونُونَ بَعْدَ الرِّدَّةِ عَلَى عَهْدِهِمْ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ . وَأَمَّا حَدُّ الزِّنَا ، فَيَسْقُطُ عَنْهُمْ كَالْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ ، لَكِنْ يُنْظَرُ فِي الْمَزْنِيِّ بِهَا ، فَإِنَّهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا مُعَاهَدَةٌ ، أَوْ ذِمِّيَّةٌ ، وَإِمَّا مُسْلِمَةٌ . فَإِنْ كَانَتْ مُعَاهَدَةً ، لَمْ يَلْزَمِ اسْتِتَابَةُ الزَّانِي ، وَقِيلَ لَهُمْ: دَارُ الْإِسْلَامِ تَمْنَعُ مِنَ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ ، فَإِنْ كَفَفْتُمْ عَنْهَا وَإِلَّا مُنِعْتُمْ مِنَ الْمُقَامِ فِيهَا . وَإِنْ كَانَ الْمَزْنِيُّ بِهَا ذِمِّيَّةً ، وَجَبَ أَنْ يُسْتَتَابُوا مِنْ هَذَا الزِّنَا بِمِثْلِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا نَبَذْنَا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ: لِيَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ ، ثُمَّ يَصِيرُوا حَرْبًا . وَإِنْ كَانَ الْمَزْنِيُّ بِهَا مُسْلِمَةً ، كَانَ الزِّنَا نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ إِنْ شُرِطَ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِمْ ، وَبَلَغُوا مَأْمَنَهُمْ ، وَصَارُوا حَرْبًا ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي عَهْدِهِمُ اسْتُتِيبُوا مِنْهُ ، فَإِنْ تَابُوا ، وَإِلَّا نَبَذْنَا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ ، ثُمَّ يَصِيرُوا حَرْبًا . وَأَمَّا الْحُقُوقُ الْمُشْتَرِكَةُ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْآدَمِيِّينَ فَهِيَ السَّرِقَةُ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ ، وَإِنَّمَا فَرَّعْنَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَلَيْهَا: لِارْتِبَاطِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، اشْتَمَلَ عَلَى تَقْسِيمِ مَا اتَّصَلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت