فهرس الكتاب

الصفحة 6293 من 8432

بِالسَّرِقَةِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْهِبَةِ ، كَالسَّرِقَةِ فِي الْحِرَابَةِ . وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ حَدَثَ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَدِّ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ بِهِ الْحَدُّ ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ زَنَا بِأَمَةٍ ثُمَّ ابْتَاعَهَا ، أَوْ بِحُرَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ مَلَكَهَا قَبْلَ إِخْرَاجِهَا: فَهُوَ أَنَّهُ مَلَكَهَا قَبْلَ وُجُوبِ الْقَطْعِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ مَلَكَ الْأَمَةَ قَبْلَ وُجُوبِ الْحَدِّ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَمْعِهِ بَيْنَ مَا طَرَأَ وَتَقَدَّمَ: فَهُوَ انْتِقَاضُهُ بِخَرَابِ الْحِرْزِ . ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا قَدَّمْنَاهُ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ سُقُوطِ الْمُطَالَبَةِ: فَهُوَ أَنَّ أَصْحَابَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْقَطْعِ . فَيَسْقُطُ مَعَهُ الِاسْتِدْلَالُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّهَا شَرْطٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْقَطْعِ . فَعَلَى هَذَا: يَسْقُطُ بِهَا اسْتِيفَاؤُهُ مَعَ وُجُوبِهِ ، كَالْحُقُوقِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مُطَالِبٌ بِهَا .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَإِنْ سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ أَوْ أَعْجَمِيًّا مِنْ حِرْزٍ فما الحكم قُطِعَ ، وَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ لَمْ يُقْطَعْ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَلَيْسَ يَخْلُو حَالُ الْعَبْدِ إِذَا سُرِقَ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي حِرْزٍ أَوْ فِي غَيْرِ حِرْزٍ . فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ، وَإِنْ كَانَ فِي حِرْزٍ ، وَحِرْزُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَارًا مُغْلَقَةَ الْبَابِ أَوْ مَعَ سَيِّدِهِ ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا مُمَيِّزًا ، يُفَرِّقُ بَيْنَ أَمْرِ سَيِّدِهِ وَغَيْرِ سَيِّدِهِ ، فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ: لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ مُخَادِعًا وَلَا يَكُونُ مَسْرُوقًا . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يَعْقِلُ عَقْلَ الْمُمَيِّزِ ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَمْرِ سَيِّدِهِ وَغَيْرِهِ ، فَالْقَطْعُ عَلَى سَارِقِهِ وَاجِبٌ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَمُحَمَّدٌ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ إِذَا كَانَ كَبِيرًا ، لَمْ يُقْطَعْ بِهَا إِذَا كَانَ صَغِيرًا كَالْحُرِّ . وَهَذَا خَطَأٌ: لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَمْلُوكٌ لَا تَمْيِيزَ لَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْطَعَ بِسَرِقَتِهِ كَالْبَهِيمَةِ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحُرُّ إِذَا سُرِقَ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ: لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [ الْمَائِدَةِ: 38 ] وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُمَيِّزُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْطَعَ سَارِقُهُ كَالْعَبْدِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا قُطِعَ بِسَرِقَةِ مَالِهِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُقْطَعَ بِسَرِقَةِ نَفْسِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت