أَحَدُهُمَا: يَتَقَدَّمُ بِهِ وَإِنْ بَعُدَ لِجَمْعِهِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَجْرِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُ التَّعْصِيبِ فَتَكُونُ الْحَضَانَةُ لِعَمِّ الْأَبِ لِوَلَائِهِ دُونَ الْعَمِّ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ بِهِ: لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْحَضَانَةَ فَلَمْ يَتَرَجَّحْ بِهِ الْحَضَانَةُ إِلَّا مَعَ التَّكَافُؤِ فَيَكُونُ الْعَمُّ أَحَقَّ بِالْحَضَانَةِ بِقُرْبِهِ مِنْ عَمِّ الْأَبِ مَعَ وَلَائِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ حُكْمُ مَا أَوْضَحْنَا مِنْ حُكْمِ النِّسَاءِ إِذَا انْفَرَدُوا عَنِ الرِّجَالِ ، وَمِنْ حُكْمِ الرِّجَالِ إِذَا انْفَرَدَتْ عَنِ النِّسَاءِ تَرَتَّبَتْ عَلَى ذَلِكَ حُكْمُ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ الأحق بالحضانة ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا فَأَحَقُّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِالْحَضَانَةَ الْأُمُّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي وَلِأَنَّهَا مُبَاشَرِةٌ لِلْوِلَادَةِ قَطْعًا وَإِحَاطَةً وَهِيَ فِي الْأَبِ مَظْنُونَةٌ ، وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ حُنُوًّا وَإِشْفَاقًا ، وَلِأَنَّهَا بِتَرْبِيَتِهِ أَخْبَرُ وَعَلَى التَّشَاغُلِ لِحَضَانَتِهِ أَصْبَرُ ، فَإِذَا أُعْدِمَتِ الْأُمُّ فَأُمُّهَا ؛ لِأَنَّهَا تَلِي الْأُمَّ فِي مَعَانِيهَا ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ يَتَقَدَّمْنَ عَلَى الْأَبِ مَعَ قُرْبِهِ . فَإِذَا عُدِمَتِ الْأُمُّ وَأُمَّهَاتُهَا الأحق بالحضانة انْتَقَلَتِ الْحَضَانَةُ إِلَى الْأَبِ ، وَلَا وَجْهَ لِمَا دَلَّ فِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ تَقْدِيمِ مَنْ أَدْلَى بِالْأُمِّ مِنَ النِّسَاءِ كَالْخَالَاتِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ: لِأَنَّ فِي الْأَبِ مِنَ الْوِلَادَةِ ، وَالِاخْتِصَاصِ بِالنَّسَبِ ، وَفَضْلِ الْحُنُوِّ وَالشَّفَقَةِ مَا لَا يَكُونُ فِيمَنْ عُدِمَ الْوِلَادَةَ وَيَكُونُ مَنِ اخْتُصَّ بِالْوِلَادَةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَحَقَّ بِالْحَضَانَةِ فَمَنْ عُدِمَ الْوِلَادَةَ ، فَإِنْ تَسَاوَى فِي الْوِلَادَةِ أَبَوَانِ الأحق بالحضانة قُدِّمَتِ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ بِالْأُنُوثِيَّةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالتَّرْبِيَةِ ، فَعَلَى هَذَا يَنْتَقِلُ بَعْدَ الْأُمِّ وَأُمَّهَاتِهَا إِلَى الْأَبِ ، فَإِنْ عُدِمَ انْتَقَلَتْ إِلَى أُمِّهِ ، وَمَنْ عَلَا تَقَدَّمَ عَلَى أَبِيهِ ، فَإِنْ عُدِمَ أُمَّهَاتُ الْأَبِ انْتَقَلَتْ إِلَى أَبِي الْأَبِ وَهُوَ الْجَدُّ ، ثُمَّ أُمَّهَاتِهِ ثُمَّ إِلَى أَبِي الْجَدِّ ثُمَّ أُمَّهَاتِهِ عَلَى هَذَا ، حَتَّى تَسْتَوْعِبَ عَمُودَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُودِ الْوِلَادَةِ فِيهِمْ مَنْ عُدِمَهَا ، فَإِذَا عُدِمَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ الأحق بالحضانة فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُسْتَحِقِّ الْحَضَانَةِ بَعْدَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ جَمِيعَ النِّسَاءِ مِنَ الْأَقَارِبِ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ فَتُقَدَّمُ الْأَخَوَاتُ وَالْخَالَاتُ وَالْعَمَّاتُ ، وَمَنْ أَدْلَى بِهِمْ مِنَ الْبَنَاتِ عَلَى جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الْأُنُوثِيَّةِ الَّتِي هِيَ بِالْحَضَانَةِ أَخَصُّ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْقَرَابَةِ ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا فِيهَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ الْعَصَبَاتِ بَعْدَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ أَحَقُّ مِنْ جَمِيعِ النِّسَاءِ مِنَ الْأَخَوَاتِ وَالْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ ، وَمَنْ يُدْلِي بِهِنَّ مِنْ بَنَاتِهِنَّ لِاخْتِصَاصِ الْعَصِبَاتِ بِالنَّسَبِ وَاسْتِحْقَاقِهِمْ لِلْقِيَامِ بِتَأْدِيبِ الْمَوْلُودِ وَتَقْوِيمِهِ وَلِقُوَّتِهِمْ بِاسْتِحْقَاقِ مِيرَاثِهِ وَاخْتِصَاصِهِمْ بِنَقْلِهِ إِلَى وَطَنِهِمْ ، فَصَارُوا بِذَلِكَ أَحَقَّ بِكَفَالَتِهِ ، بِخِلَافِ مَنْ عُدِمَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ مِنَ النِّسَاءِ .