مِثْلَهُ لَا يُكَلَّمُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَلَّمَتْهُ وَهُوَ مَيِّتٌ ، وَالنَّائِمُ وَالْمَيِّتُ لَا يُكَلَّمَانِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [ الرُّومِ: ] . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَتْلَى بَدْرٍ ، وَهُمْ فِي الْقَلِيبِ فَقَالَ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ، قَيْلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُكَلِّمُ أَمْوَاتًا لَا يَسْمَعُونَ ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَأَسْمَعُ مِنْكُمْ ، وَلَكِنَّهُ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي الْجَوَابِ ، فَصَارَ الْمَيِّتُ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يُكَلَّمَ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَقَعَ الْحِنْثُ بِكَلَامِهَا لَهُ مَيِّتًا . قِيلَ: هَذَا هُوَ الْحُجَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُكَلَّمُ: لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا كَلَامَهُ لَهُمْ ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مُكَلَّمًا مَا أَنْكَرُوهُ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى ، رَدَّ أَرْوَاحَهُمْ إِلَيْهِ ، حِينَ كَلَّمَهُمْ مُعْجِزَةً خَصَّ بِهَا رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُعِيدُ أَرْوَاحَهُمْ لِسَائِلِهِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ ، وَلَوْ كَلَّمَتْهُ وَهُوَ سَكْرَانُ لَا يَشْعُرُ بِالْكَلَامِ وَلَا يَسْمَعُهُ ، لَمْ يَحْنَثْ: لِأَنَّهُ مِثْلُهُ لَا يُكَلَّمُ كَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ .
فَصْلٌ: وَلَوْ كَاتَبَتْهُ ، لَمْ يَحْنَثْ قَالَ إِنْ كَلَّمْتِهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فكاتبته: لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَكُونُ كَلَامًا ، وَإِنْ قَامَتْ فِي الْإِفْهَامِ مَقَامَ الْكَلَامِ ، وَهَكَذَا لَوْ رَاسَلَتْهُ لَمْ يَحْنَثْ: لِأَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ دُونَهَا ، وَإِنْ كَانَ مُبَلِّغًا عَنْهَا ، وَلَوْ أَشَارَتْ إِلَيْهِ بِالْكَلَامِ إِشَارَةً فَهِمَ بِهَا مُرَادَهَا ، فَإِنْ كَانَ نَاطِقًا سَمِيعًا ، لَمْ يَحْنَثْ بِإِشَارَتِهَا إِلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ مَرْيَمَ: ، ] فَلَمْ يَجْعَلِ الْإِشَارَةَ كَلَامًا ، وَإِنْ قَامَتْ مَقَامَهُ فِي الْإِفْهَامِ ، وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ أَصَمَّ لَا يَسْمَعُ الْكَلَامَ إِلَّا بِالْإِشَارَةِ فَفِي حِنْثِهِ ، بِإِشَارَتِهَا إِلَيْهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ: لِأَنَّ الْإِشَارَةَ لَيْسَتْ كَلَامًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْنَثُ: لِأَنَّهُ هَكَذَا يُكَلَّمُ الْأَصَمُّ ، وَلَوْ كَلَّمَتْ رَجُلًا آخَرَ كَلَامًا سَمِعَهُ زَيْدٌ: لَمْ يَحْنَثْ: لِأَنَّهَا مُكَلِّمَةٌ لِغَيْرِهِ ، وَلَوْ كَلَّمَتِ الْحَائِطَ كَلَامًا لَمْ يَسْمَعْهُ إِلَّا زَيْدٌ فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ كَمَا لَوْ كَلَّمَتْ غَيْرَهُ فَسَمِعَهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْنَثُ: لِأَنَّ الْحَائِطَ لَا يُكَلَّمُ ، فَصَارَ الْكَلَامُ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُكَلَّمَ وَلَوْ سَلَّمَتْ عَلَى جَمَاعَةٍ وَفِيهِمْ زَيْدٌ فَإِنْ لَمْ تَعْزِلْهُ بِنِيَّتِهَا حَنِثَ ، وَإِنْ عَزَلَتْهُ بِنِيَّتِهَا فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ .