فهرس الكتاب

الصفحة 4110 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا هَلْ لِلْعَبْدِ أَنْ يُسَرَّى وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ هَلْ يَمْلِكُ إِذَا مَلَكَ أَمْ لَا ؟ فَلَا يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ السَّيِّدُ لَمْ يَمْلِكْ ، وَيَكُونُ جَمِيعُ مَا يَكْتَسِبُهُ مِنْ صَيْدٍ أَوْ إِحْشَاشٍ أَوْ بِصَنْعَةٍ أَوْ عَمَلٍ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ دُونَهُ ، وَإِنْ مَلَكَهُ السَّيِّدُ فَهَلْ يَمْلِكُ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ إِنَّهُ يَمْلِكُ إِذَا مَلَكَ . وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَدَاوُدُ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ مِلْكِهِ العبد ، عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَكُونُ مِلْكًا ضَعِيفًا ، لَا يَتَحَكَّمُ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَلِلسَّيِّدِ اسْتِرْجَاعُهُ . وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ مِلْكٌ قَوِيٌّ يَتَحَكَّمُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ ، لَكِنْ لِلسَّيِّدِ اسْتِرْجَاعُهُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي - قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ -: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِذَا مَلَكَ . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِي كِتَابِ"الْبُيُوعِ". فَإِذَا تَقَرَّرَ الْقَوْلَانِ ، وَأَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ يَتَسَرَّى بِأَمَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يُمَلِّكْهُ السَّيِّدُ إِيَّاهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِيهِ: لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنَّ يَسْتَبِيحَ إِلَّا وَطْءَ زَوْجَةٍ ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَمَةُ الْمَأْذُونُ لِلْعَبْدِ فِي وَطْئِهَا زَوْجَةً لَهُ ، وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ ، فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطِئُهَا لِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ ، كَمَا لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَطَأَهَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ ، وَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ إِيَّاهَا ، فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ يَصِيرُ مَالِكًا لَهَا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا مُتَسَرِّيًا لَهَا مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ السَّيِّدُ فِي وَطْئِهَا ، وَإِنْ صَارَ مَالِكًا لَهَا: لِأَنَّهُ مِلْكٌ ضَعِيفٌ ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي وَطْئِهَا جَازَ لَهُ حِينَئِذٍ التَّسَرِّي بِهَا مَا لَمْ يَرْجِعِ السَّيِّدُ فِي مِلْكِهِ أَوْ إِذْنِهِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَجَازَ لِعِكْرِمَةَ أَنْ يَتَسَرَّى بِهَا بِجَارِيَةٍ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَسَرَّى ، وَإِنْ رَجَعَ السَّيِّدُ فِي مِلْكِهِ حَرُمَ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِهَا لِزَوَالِ السَّبَبِ الَّذِي اسْتَبَاحَ بِهِ التَّسَرِّيَ ، فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ أَوْلَدَهَا الأمة التي أذن له السيد أن يتسري بها صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ بَيْعُهَا ، فَإِنْ رَجَعَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِهَا جَازَ لِلسَّيِّدِ بِيعُهَا: لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ فِي حَقِّ الْعَبْدِ لَا فِي حَقِّ السَّيِّدِ . هَذَا كُلُّهُ حُكْمُ قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ . فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ ، فَلَا يَمْلِكُهَا الْعَبْدُ ، وَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَرَّى بِهَا وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ ، وَالْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَجَازَ لِعِكْرِمَةَ أَنْ يَتَسَرَّى بِجَارِيَةٍ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا ، فَالْمَرْوِيُّ خِلَافُهُ ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ زَوَّجَهُ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا عِكْرِمَةُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَدَّ طَلَاقًا لَا يَقَعُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَأَمَرَهُ بِالْمُقَامِ عَلَيْهَا ، فَكِرَهَ عِكْرِمَةُ ذَاكَ ، فَأَبَاحَهُ أَنْ يَتَسَرَّى بِهَا تَطَيُّبًا لِنَفْسِهِ وَمُعْتَقِدًا أَنَّ الْإِبَاحَةَ لِعَقْدِ النِّكَاحِ . وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ مَا ذُكِرَ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَطَأُ الرَّجُلُ إِلَّا وَلِيدَةً ، إِنْ شَاءَ بَاعَهَا ، وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهَا ، وَإِنْ شَاءَ صَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ . يُرِيدُ بِذَلِكَ الْأَحْرَارَ دُونَ الْعَبِيدِ لَكِنْ إِنْ وَطِئَهَا الْعَبْدُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت