ولذلك فإن حكمة الله البالغة تأبى أن يترك الإنسان سدىً بلا إرشاد لطريق الحق، ولا بيان لقواعد السلوك. قال تعالى: { أيحسب الإنسان أن يترك سدىً } [1] . أي لا يؤمر ولا ينهى كما قال مجاهد وغيره [2] .
وما الأمر والنهي إلا بيان مناهج السلوك في الحياة، وقواعد التنظيم لشئون الإنسان المختلفة التي تحقق له مصالحه، وتصون مبادئه، لذلك مكنّه الله من القيام بما أمره به، وترك ما نهاه عنه، حتى لا يضل ولا يطغى، ولا يزيغ ولا يشقى، ويجد في شرع الله الغاية المطلوبة، والسعادة المرجوة.
ومع تقدم الإنسان في ميدان المعرفة، اشتدت الحاجة إلى معرفة النهي، والوقوف على أحكامه المترتبة عليه، لكثرة ما يتعلق به من الأحكام الشرعية.
سبب اختياري لهذا الموضوع:
لذلك آثرت أن يكون موضوع هذا البحث مسألة: (النهي المطلق .. هل يقتضي فساد المنهي عنه ؟ وتطبيقات من أثره الفقهي) ، وذلك لشدة اضطراب العزو فيها إلى العلماء لأتتبع الأقوال فيها في كتبهم الأصولية، وأبين ما هو الصحيح منها من غيره، وأعزو كل قول إلى قائله من مصادر مذهبه، بأدلته، مع توضيح الاعتراضات والرد عليها، وبيان الراجح منها في وحدة موضوعية، كما أتعرض لذكر تطبيقات فرعية على هذه المسألة مع بيان أدلتها وتوجيهها لعلها تثري الموضوع، وتفتح الآفاق الرحبة لقاصدي المعرفة، فعلت ذلك طمعًا فيما عند الله، وإسهامًا في خدمة شريعتنا الغراء، فنسأله سبحانه أن يجنبنا الزلل في القول والعمل.
خطة البحث:
يشتمل البحث على مقدمة، وتمهيد، وستة مطالب، وخاتمة.
المقدمة: وتشتمل على خطة البحث، وسبب اختيار الموضوع.
التمهيد: ويشتمل على تعريف النهي، وصيغه.
المطلب الأول: ويتناول مذاهب العلماء في دلالة النهي وأدلتهم.
المطلب الثاني: ويتناول معنى الصحة، والبطلان، والفساد.
المطلب الثالث: ويتناول تقسيمات الفعل المنهي عنه.
(1) سورة القيامة آية (36) .
(2) الجامع لأحكام القرآن جـ19: 76.