فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 40

فإن لم تأته الساعة الثانية لم يتحسر على فوات هذه الساعة ، وإن أتته الساعة الثانية استوفى حقه منها كما استوفى من الأولى . ولا يطول أمله فيطول عليه العزم على المراقبة فيها ؛ بل يكون ابن وقته كأنه في آخر أنفاسه فلعله آخر أنفاسه وهو لا يدري . وإذا أمكن أن يكون آخر أنفاسه فينبغي أن يكون على وجه لا يكره أن يدركه الموت وهو على تلك الحال .

إنَّ دواء محاسبة النفسِ نحن أحوج ما نكون إليه اليوم بعد تهالك الناس على الدنيا ، وسيرهم وراء الشهوات ، وتنافسهم في الفانياتِ ، وزهدهم في الباقيات الصالحات .

وهذا الدواء له فوائد جليلة ، وآثارٌ على مستعمله عظيمة:

مِنْهَا: الاطِّلاعُ عَلَى عُيوبِ النفس ونقائصها ، فيمكِنُهُ السَّعي في إصلاحها ، ومَن لَمْ يطَّلعْ عَلَى عَيْبِ نفسِهِ، لَمْ يُمْكِنْهُ إِزالَتُه، فَإِذَا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِها؛ مَقَتَها فِي ذاتِ اللهِ تَعَالَى.

وقالَ أَبو حفصٍ:"مَنْ لَمْ يَتَّهِمْ نَفْسَهُ عَلَى دَوامِ الأوقاتِ، ولم يُخالِفْها فِي جميعِ الأحوالِ، ولم يَجُرَّها إِلَى مكروهِها فِي سائِر أَوقاتِه؛ كَانَ مغرورًا، ومَن نَظَرَ إِلَيْهَا باستحسانِ شيءٍ مِنْهَا؛ فَقَدْ أَهْلَكَها".

فالنَّفْسُ داعيةٌ إِلَى المَهالِكِ، مُعينَةٌ للأعداءِ، طامِحَةٌ إِلَى كلِّ قبيحٍ، مُتَّبِعَةٌ لكُلِّ سوءٍ، فَهِيَ تَجْرِي بطَبْعها فِي ميدانِ المُخالَفَةِ. ومن فوائد محاسبة النفس: أنها توجب للعبد الإمساك عن الخوض في عيوب الناس ، فإنَّ من شغل بعيب نفسه لمْ يبق لديه من الوقت ما ينفقه في الحديث عن عيوب الناس ، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، وويل لمن نسي عيبه ، وتفرَّغَ لعيوب الناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت