ولما رأيت الميدان التربوي بصفة عامة - وبخاصة دعاميته الأساسيتين «الأستاذ - التلميذ» - في حاجة إلى التحلي بكثير من هذه المبادئ والأخلاق والمناهج، رأيت أن أقف وقفة مع عالم كبير ومحدث شهير، حافظ المشرق الإمام؛ أبو بكر الخطيب البغدادي، من خلال كتاباته حول آداب المحدث والسامع، سواء التي أفردها بالبحث أو التي ضمنها بعض كتبه الأخرى، لأستخلص منها قدر المستطاع ما أودع فيها من آداب الرواية والسماع، التي ينبغي أن يتحلى بها المتصدر للتعليم والراغب في التعلم.
ولم يكن اختياري للخطيب البغدادي هملا، وإنما لما يحتله هذا الرجل من المكانة العلمية وخصوصا في علم الحديث، فهو فارس هذا الميدان، وعمدة هذا الباب، إذ كل من أتى بعده اعتمد كتبه ونسج على منواله مستفيدا منه، ولهذا قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: «كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه» [1] .
فإنه لم يترك فنا من الفنون إلى وقد صنف فيه كما يقول ابن حجر رحمه الله تعالى: « وقل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابا مفردا» [2] .
ومن هذه الكتب التي ألفها كتابه الماتع « الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» الذي أفرده لذكر ما على طالب العلم والمعلم أن يتحلى به من الأخلاق الحميدة والآداب الرفيعة.
يقول رحمه الله تعالى: «وأنا أذكر في كتابي هذا بمشيئة الله ما بنقلة الحديث وحماله حاجة إلى معرفته واستعماله، من الأخذ بالخلائق الزكية والسلوك للطرائق الرضية، في السماع والحمل والأداء والنقل..» [3]
(1) -"نزهة النظر في شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، ابن حجر العسقلاني، تحقيق عبد الكريم الفضيلي، نشر المكتبة العصرية، الطبعة الأولى 1418-1998، ص 18.
(2) - نفسه.
(3) -"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي"، تحقيق الدكتور محمود الطحان، نشر مكتبة المعارف بالرياض، 1403-1983، (ج 1 ص 79) .