ب. إنها تتخيل وتتوهم ما له حقيقة وما لا حقيقة له ، فالقوة المتخيلة تتعامل مع صور مجردة من الهيولى فتقوم بتأليف الصور المختلفة وتركيبها ، مثال ذلك ، إن الإنسان يتخيل بهذه القوة جملًا على رأس نخلة أو نخلة ثابتة على ظهر جمل ، أو فرسًا بجناحين 000الخ وما شاكل هذه مما يعمله المصورون والنقاشون من الصور المنسوبة الى الجن والشياطين وعجائب البحر مما له حقيقة ومما لا حقيقة له [1] وحدد إخوان الصفاء سببين لتصور الإنسان لهذه الأشياء 0 السبب الأول إن هذه المتخيلات يجتمع عندها مواد كثيرة من رسوم المحسوسات مع اختلاف أجناسها وفنون أنواعها وسائر أشخاصها ، فهي يمكنها بهذا السبب أن تُركب منها ضروب التراكيب مما له حقيقة ومما لا حقيقة له0 أما السبب الثاني فهو إن النفس لشرف جوهرها ولطافتها وشدة روحانيتها وسهولة قبولها رسوم المعلومات في ذاتها وتصورها لها ، وذلك أن كل هيولى تكون ألطف جوهرًا وأشد روحانية ، فإنها تكون لقبول الصور أسرع انفعالًا وأسهل قبولًا ، مثلًا الماء العذب بوصفه ألطف جوهرًا من التراب صار لقبول الطعوم والأصباغ أسرع انفعالًا وأسهل قبولًا لنظافته وعذوبته وسيلانه0 ولما كان الهواء ألطف جوهرًا من الماء صار لقبول الأصوات والروائح أسرع انفعالًا وأسرع قبولًا 0 ولما كان الضياء والنور ألطف من الهواء صار قبوله للأشكال والألوان أسرع 0 أما جوهر النفس فأنه ألطف وأشد روحانية بكثير من جوهر النور والضياء 0 والدليل على ذلك قبولها رسوم سائر المحسوسات والمعقولات جميعها 0 فلهاتين العلتين صار الإنسان بالقوة المتخيلة يقدر على أن يتوهم ويتخيل ما لا يقدر عليه بالقوى الحساسة ( الحواس الظاهرة ) لأن هذه روحانية وتلك جسمانية ، ولأنها تدرك محسوساتها في الجواهر الجسمانية من خارج ، أما القوة المتخيلة فهي تتخيلها وتتصورها في ذاتها 0
(1) إخوان الصفاء ، رسائل إخوان الصفاء ، ج3 ، ص 416 0