فالدّارس لمصطلح (القياس) يهمه الاطلاع على قضايا موضوع القياس، وله النظر في أحشائها ما استطاع من جزئيات، ولكنه لا يهمه في الدّراسة المصطلحيّة أن يجيب عن الأسئلة التي تطرحها، إشكاليات تلك الجزئيات [1] ، وإنَّما يكون أخذه في حدود ما يسمح به الهدف المصطلحي، وهو تركيب الصورة المفهومية للمصطلح، وعدم التزامه بذلك يعني دخوله في فوضى منهجية لا حدَّ لها.
المطلب الثالث: فوائد الدّراسة المصطلحيّة
من الفوائد الأساسية للدّراسة المصطلحيّة أنَّها أنهض بالفهم وأقعد، فيها تُحرَّر محلات النزاع؛ وحظ غير قليل من الخلاف نزاع في المفاهيم، ولهذا كان ثاني مقاصد الشارع الإفهام، فلا تكليف إلاَّ من بعد حصوله، وبتمامه يكون الامتثال الذي هو غاية التشريع.
عدم استيعاب مصطلحات العلوم بصورة جامعة مانعة، مع الالتفات إلى أنَّها موصلة للإفهام الذي به يتحقق الامتثال؛ قد يقود إلى مهلكة من المهالك، وكثيرًا ما وقع في ذلك بعض مدَّعي التجديد. ومن ذلك على سبيل التمثيل: يقول د. الترابي في كتابه:"تجديد أصول الفقه الإسلامي" [2] عن القياس الأصولي:"وهذا النمط المتحفظ من القياس يقتصر على قياس حادثة محدودة، على سابقة محدودة معيَّنة، ثبت فيها حكم بنص شرعي، فيضيفون الحكم إلى الحادثة المستجدة، مثل هذا القياس المحدود ربما يصلح استكمالًا للأصول التفسيرية في تبيين أحكام النكاح، والآداب، والشعائر، ولكن المجالات الواسعة لا يكاد يجدي فيها إلاَّ القياس الفطري الحر من تلك الشرائط المعقدة التي وضعها له مناطقة الإغريق، واقتبسها الفقهاء الذين عاشوا مرحلة ولع الفقه بالتعقيد الفني، وولع الفقهاء بالضبط في الأحكام".
(1) مصطلحات نقدية وبلاغية، مرجع سابق، ص 38.
(2) ص 23.