فإن قالوا: فلم لا يقول قول غيره كما خلق جور غيره ؟ قيل لهم: لم نقل: إنه يجور بجور غيره ، فيلزمنا أن يقول بقول غيره ، وإنما قلنا: إنه يخلق جورًا لغيره لا له ، ولا يكون به جائرًا .
فعروض هذا أن يخلق قولًا لغيره لا له ، ولا يكون به قائلًا ، وأيضًا فلو وجب هذا لوجب أن يقول الكذب من ليس بكاذب كما فعل الجور من ليس بجائر كما فعل الإرادة من ليس بمريد لها والحركة من ليس بمتحرك بها ، فإن لم يجب هذا لم يجب ما قالوه .
وأيضًا فقد دللنا على أن كلام اله تعالى من صفات ذاته في صدر كتابنا هذا فاستحال لذلك أن يكون بقول غيره قائلًا ، كما إذا كان العلم من صفات نفسه استحال أن يكون علم غيره علمًا له وأن يكون رب العالمين عالمًا بعلم محدث .
مسألة
[ العبد بين النعمة والبلية ]
فإن قال قائل: فهل يخلو العبد أن يكون بين نعمة يجب عليه شكرها أوبلية يجب عليه الصبر عليها ؟
قيل له: لا يخلو العبد من نعمة ، وبلية ، والبلايا منها ما يجب الصبر عليها كالمصائب من الأمراض والأسقام وفي الأموال ، والأولاد وما أشبه ذلك ومنها مالا يجب الصبر عليها كالكفر وسائر المعاصي .
مسألة
[ هل قضى الله المعاصي وقدرها ]
فإن قال قائل: فهل قضى الله تعالى المعاصي وقدرها . قيل له: نعم ، بأن خلقها ، وبأن كتبها ، وأخبر عن كونها كما قال: (( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) ) [ الإسراء: 4 ] .
يعني أخبرناهم وأعلمناهم ، وكما قال: (( إلا امرأته قدرناها من الغابرين ) ) [ النمل: 57 ] يريد كتبناها وأخبرنا أنها من الغابرين ، ولا نقول قضاها وقدرها بأن أمر بها .
فإن قال: أفقضاء الله تعالى حق ؟ قيل له: من قضاء الله تعالى الذي هو خلق ما هو حق كالطاعات ومالم ينه عنه .
ومن قضاء الله تعالى الذي هو خلق ما هو جور كالكفر ، والمعاصي لأن الخلق منه حق ومنه باطل .
وأما القضاء الذي هو أمر والقضاء الذي هو إعلام وإجبار وكتاب فحق لأنه غير المقضي .