وإنْ كنّا نعلم أنَّ الزّمخشريّ مثلُه مثل غيره من النّحاة، الذين يقتنعون من النّاحية النّظريّة بضرورة الاستشهاد بالقراءات القرآنيّة، وأنَّ القراءة سُنَّة متبعة لا تجوز مخالفتها؛ لكنهم عند التطبيق لا يلتزمون بذلك، ولا عذر لهم على الإطلاق في صنيعهم هذا.
وبرجوعنا إلى نشأة النَّحو، وأسباب وضعه، والكيفيّة التي بدأ بها النّحاة عملهم، والأسباب التي أدّت إلى تعدُّد القراءات، يتضح لنا ما يمكن أنْ نفسّر به تباين مواقفهم منها. وهذا ما انعكس على الزّمخشريّ وما أدّى إلى مواقفه تجاه القراءات والمقرئين.
يقول الدكتور/ صلاح شعبان:"فالنَّحو إذن وليد التفكير في قراءة القرآن، لأنَّ العلماء لم يفكروا ابتداءً في دراسة علم يبحث عن علل التّأليف، ولكنّهم توصّلوا إلى ذلك بعد أنْ نضجت الفكرة في أثناء قيامهم بعملهم القرآنيّ. يؤيّده أنّ أوائل الدّارسين من النّحاة كانوا من القرّاء، أو ممَن عُنوُا بالدّراسات القرآنيّة، فمن البصريين: عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وعيسى بن عمر الثقفي، وأبي عمرو ابن العلاء، والخليل بن أحمد الفراهيدي، ومن الكوفيين: علي بن حمزة، ويحيى بن زياد الفرّاء [1] ."
"ولم يكن النّحاة الأولون يردُّون القراءات المخالفة للعربيّة؛ بل كان انشغالهم بالقراءات والإقراء، داعيًا إلى ردِّ كلِّ قراءةٍ لم ترد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإنْ كانت جائزة في العربيّة" [2] .
(1) د. شعبان صلاح: مواقف النّحاة من القراءات القرآنيّة حتّى نهاية القرن الرابع الهجري، دار غريب، 5..2م، ص 30.
(2) د. عبد الفتاح شلبى: أبو على الفارسيّ: حياته ومكانته بين أئمة اللُّغة العربيّة وآثاره في القراءات القرآنيّة والنَّحو، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1377هـ، ص 447.