كما أوضحوا أنَّ أكثر ما نقل من ذلك لم يُنْقَل برواية صحيحة متصلة، وإنَّما هي أقوال بعضها ضعيف الإسناد، وبعضها منقطع، فلا توجب عليه غلبة الظَّنّ بزيادة اللُّغات عن سبع، ثُمَّ أنَّه لو سلَّم أنَّ في القرآن هذه اللُّغات كُلّها لم يقدح في أنَّ القرآن أنزل على سبع لغات مستعملة في سبع قبائل، فإنَّ القبائل يأخذ بعضها من البعض، وقد تكون اللُّغة في الأصل لقبيلة أخرى، وقد كانت قريش بجوار البيت الحرام الذي يحج إليه العرب...، فمن السَّهل أنَّ أكثر هذه اللُّغات تمثَّلت في لغة قريش لأنَّهم كانوا يستمعون إلى لغات القبائل في الحج، فربما حلا لهم من لغات كُلّ قبيلة بعض كلمات أو بعض لهجات فاستعملوا ذلك، فصار لغة لهم، فلا تنافي بين كون اللُّغات خمسين بحسب الأصل وكونها سبعًا بحسب الاستعمال والشُّهرة [1] .
رابعًا: نزول القرآن على سبع لهجات:
ذهب إلى هذا الرَّأْي وأيَّده كثير من العلماء، وقد استندوا على الحديث الصَّحيح الذي روته كتب السُّنَّة بأسانيد متعدّدة، تربو على الثَّلاثين، كُلّها صحيحة متصلة، وجميعها تدور حول إنزال القرآن على سبعة أحرف. وقد صرَّح كثير من العلماء بتواتره، قال السُّيوطيّ:"ورد حديث نزول القرآن على سبعة أحرف من رواية جمع من الصَّحابة: أُبيّ بن كعب، وأنس، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسلمان بن صرد، وابن عباس، وابن مسعود، وعبد الرَّحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وعمر بن أبو سلمة، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وهشام بن حكيم، وأبي بكرة، وأبي جهم، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي طلحة الأنصاريّ، وأبي هريرة، وأبي أيوب، فهؤلاء واحد وعشرون صحابيًّا" [2] .
(1) عبد الجليل عبد الرَّحيم: لغة القرآن، ص 60 . نقلًا عن: رسالة في الأحرف السَّبعة وعلاقتها بالقرآن، كلية أصول الدِّين جامعة الأزهر.
(2) السُّيوطيّ: الإتقان، 1/45، الجرزي: النَّشر، 1/21.