وقد استشكل على البعض الدعاء للمريض بالشفاء مع ما في المرض من كفارة الذنوب والثواب كما تضافرت الأحاديث والجواب أن الدعاء عبادة لا ينافي الثواب والكفارة لأنهما يحصلان بأول مرض وبالصبر عليه [1] .
ولا يلتفت إلى قول بعض الصوفية بعدم الدعاء للمريض، إذ أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي أكمل الأحوال، قال ابن حجر في تعليقه على البخاري: لعل البخاري أشار إلى أن مطلق الشكوى لا يمنع ردًا على من زعم من الصوفية أن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضا والتسليم [2] .
فالدعاء من أعظم الأسباب في تحصيل مرادات الدنيا والآخرة، ومنها الشفاء من المرض وهو لا ينافي التوكل بل هو من لوزامه، كما لا ينافي التداوي ولا غيره من الأسباب الأخرى ما دام القلب متعلقًا به سبحانه كما كان عليه الصلاة والسلام.
أما طلب الدعاء من الآخرين وهو وإن كان جائزًا إلا أنه أقل مرتبة من الدعاء مباشرة لما فيه من سؤال المخلوقين، وفي حديث المرأة السوداء التي كانت تصرع سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لها، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوة الله أن يعافيك، فقالت أصبر) [3] قال ابن القيم رحمه الله:"وفي ذلك جواز المعالجة والتداوي وأن علاج الأرواح بالدعوات والتوجه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطباء" [4] وقال ابن حجر:"وفيه دليل على جواز ترك التداوي وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير" [5] .
(1) تحفة الأحوذي شرح الترمذي (10/8) .
(2) فتح الباري، (10/124) .
(3) رواه البخاري، باب فضل من يصرع من الريح، رقم (5823) ومسلم، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، رقم (2576) .
(4) زاد المعاد، (4/55) .
(5) فتح الباري، (11/253) .