الصفحة 8 من 200

أما إذا كان الذنب متضمنًا لحق آدمي؛ فعلى التائب أن يصلح ما أفسد، أو يسترضي مَن أخطأ في حقه لقوله خ:"مَن كانت له مَظلمةٌ لأخيهِ مِن عِرضِهِ أو شيءٍ فليتحلله منهُ اليومَ قبلَ أنْ لا يكونَ دينارٌ ولا درهمٌ، إنْ كانَ لهُ عملٌ صالحٌ أُخِذَ منه بقَدْرِ مَظلمتِه، وإنْ لم تكن له حسناتٌ أُخِذَ مِن سيئاتِ صاحبِه فحُمِلَ عليهِ". [رواه البخارى] . فإن الذي بين العبد وبين ربه فالعفو فيه أرجى وأقرب، إلا أن يكون شركًا؛ فذلك الذي لا يُغفَر إلا بالتوبة. أما ما يتعلق بحقوق العباد فالأمر فيه أغلظ.

فإذا كانت المظلمة بقدح في الآدمي بغيبة أو قذف؛ فقد اشترط أبو حنيفة ومالك وغيرهما إعلام المظلوم، واحتجوا بالحديث السابق، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية قولًا آخر بأنه لا يُشترط الإعلام، بل يكفره توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب أو المقذوف في مواضع غيبته أو قذفه بضد ما ذكره به، ويستغفر له لأن إعلامه مفسدة محضة لا تتضمن مصلحة، وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه فضلًا عن أن يوجبه.

أما توبة من اغتصب مالًا فعليه رد المال إلى أصحابه، فإن تعذر عليه رده لجهله بأصحابه أو لانقراضهم أو لغير ذلك؛ فعليه أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها، فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان لهم الخيار بين أن يجيزوا ما فعل؛ وتكون أجورها لهم، وبين أن لا يجيزوا ما فعل؛ ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم، ويكون ثواب الصدقة له؛ إذ لا يبطل الله سبحانه ثوابها.

روي أن ابن مسعود ت اشترى من رجل جارية، ودخل يزن له الثمن، فذهب رب الجارية، فانتظره حتى يئس من عودته؛ فتصدق بالثمن وقال: اللهم هذا عن رب الجارية، فإنْ رضي فالأجر له، وإنْ أبَى فالأجر لي، وله من حسناتي بقدره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت