الصفحة 49 من 200

يقول ابن القيم: أخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتُضِر وهو عنده، وجعلوا يلقنونه:"لا إله إلا الله"؛ وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذا مشتر جيد.. حتى قضى. وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله؛ فجعل يقول: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا، والبستان الفلاني افعلوا فيه كذا.. وكم شاهد الناس مِن هذا عِبَرًا. والذي يَخفى عليهم من أحوال المحتَضَرين أعظم وأعظم.

فإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته، وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان، واستعمله فيما يريده من معاصي الله؛ فكيف الظن به عند سقوط قواه، واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع؟ وقد جمع الشيطان له كل قوته، وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته؛ فإن ذلك آخر العمل، وأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت، وأضعف ما يكون هو في تلك الحال. فمَن ترى يسلم على ذلك؟

فهناك { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } [إبراهيم: 27]

وقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: كل هذا خوفًا من الذنوب؟ فقال: إنما أبكي من خوف سوء الخاتمة.

يقول ابن القيم: وهذا من أعظم الفقه؛ أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى. أعاذنا الله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة.

فيا عباد الله ..

طوبى لمن تنبه من رقاده، وبكى على ماضي فساده، وخرج من دائرة المعاصي إلى دائرة سداده.. عساه يمحو بصحيح اعترافه قبيح اقترافه:

جَنَحَتْ شمسُ حياتي وتَدَلَّتْ للغروبِ

وتَوَلَّى ليلُ رأسي وبَدَا فجرُ المَشيبِ

ربِّ خَلِّصني فقد لَجَجْتُ في بحرِ الذنوبِ

وأنلني العفوَ يا أقربَ مِن كلِّ قريبِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت