قال بعض ولده: كان أبي يشرب النبيذ، ويصحب الأحداث، فدعاهم يومًا؛ وقد قعد على الباب ينتظرهم، فمر"شُعبة"على حماره؛ والناس خلفه يُهرَعون.. فقال: مَن هذا؟ قيل: شُعبة. قال: وإيش شُعبة؟ قالوا: مُحَدِّث. فقام إليه؛ وعليه إزار أحمر، فقال له: حَدِّثني!
فقال له: ما أنتَ من أصحاب الحديث فأحدثك! فأشهر سكينه، وقال: تُحَدِّثني أو أجرحك؟!
فقال له: حَدَّثنا منصور عن ربعي عن أبي مسعود قال: قال رسول الله خ:"إذا لم تستحِ فاصنع ما شِئتَ".
فرمى سكينه ورجع إلى منزله، فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فأهرقه، وقال لأمه: الساعة أصحابي يجيئون، فأدخليهم وقدمي الطعام إليهم، فإذا أكلوا فخبريهم بما صنعت بالشراب حتى ينصرفوا. ومضى من وقته إلي المدينة، فلزم مالك بن أنس، فأثر عنه. ثم رجع إلى البصرة؛ وقد مات شُعبة، فما سمع منه غير هذا الحديث. [التوابين]
توبة شاب مسرف على نفسه على يد إبراهيم بن أدهم:
روي أن رجلًا جاء إلى إبراهيم بن أدهم فقال له: يا أبا إسحاق! إنى مسرف على نفسي، فاعرض عليَّ ما يكون لها زاجرًا ومستنقذًا لقلبي.
قال: إنْ قبلت خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك معصية، ولم توبقك لذة.
قال: هات يا أبا إسحاق!
قال: أما الأولى: فإذا أردتَ أن تعصي الله عز وجل فلا تأكل رزقه.
قال: فمن أين آكل، وكل ما في الأرض من رزقه؟
قال له: يا هذا! أفيحسن أن تأكل رزقه وتعصيه؟
قال: لا.. هات الثانية.
قال: وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئًا من بلاده.
قال الرجل: هذه أعظم من الأولى. إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له،
فأين أسكن ؟
قال: يا هذا! أفيحسن أن تأكل من رزقه وتسكن في بلاده وتعصيه؟
قال: لا.. هات الثالثة.
قال: إذا أردت أن تعصيه؛ وأنت تحت رزقه وفي بلاده، فانظر موضعًا لا يراك
فيه مبارزًا له؛ فاعصه فيه.
قال: كيف هذا؛ وهو مطلع على ما في السرائر؟
قال: يا هذا! أفيحسن أن تأكل من رزقه، وتسكن بلاده، وتعصيه؛ وهو يراك