فجعلت حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- -وهو حديث ضعيف- من الأحاديث الثلاثة الصحيحة وتركت حديث جابر -رضي الله عنه- الصحيح، لكونه لم يتوافق مع الحديثين السابقين ولكون حديث أبي أمامة متضمن أمرين:
الأمر الأول: أنه موافق للحديثين السابقين -حديث أبي هريرة، وابن عمر- في العلة، وهي مخالفة أهل الكتاب.
والأمر الثاني: أنه زاد ذكر بعض السنن التي فيها مخالفة أهل الكتاب إضافة للحية، مما يُفهم منه حكم اللحية أنها سنة، وليست واجبة لذكرها مع غيرها من السنن [1] .
قلت: وأما حديث جابر -رضي الله عنه- وقد صححته في كتابك -فتركته ولم تذكره مع الأحاديث الثلاثة، وإنما ذكرته في الآثار عن الصحابة، فاستبعدته من الأحاديث وجعلته في الآثار!!!
وذلك التصرف منك لكون الحديث تضمن أمورًا:
أولها: أنه لم يشترك مع الأحاديث التي ذكرتها في العلة -وهي مخالفة أهل الكتاب- فبهذا سيختلف الحكم، وستبطل دعواك التي أقمت الكتاب كله عليها -وهي مخالفة أهل الكتاب-.
وثانيها: أن هذا الحديث يتضمن حكم الإعفاء صراحة، وأنه واجب لا كما زعمت من أنه مربوط بعلة المخالفة لأهل الكتاب.
وثالثها: أن هذا الحديث أثبت الإعفاء حكمًا شاملًا النبي صلى الله عليه وسلم، وجميع الصحابة أنهم لا يأخذون من اللحية إلا في الحج أو العمرة فقط.
فلهذه الأمور الثلاثة التي تنقض الحكم الذي رأيته استبعدت الحديث فجعلته موقوفًا -في الآثار- لا مرفوعًا -في الأحاديث-.
(1) ... قلتَ -بعد ذكرك لدلالة صيغة الأمر في أحاديث الإعفاء والقص-:
... وزيادة على ما بيَّنتُ من أن الأمر بالمخالفة في الصورة لا يكون للوجوب إذا لم يقصد صاحبه التشبه، فإنه جاءت قرينةٌ قويةٌ متصلةٌ بحديث الأمر بتوفير اللحية وقص الشارب، دلت على أنه ليس للوجوب، وذلك سياقُ حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-.... ثم ذكر نصه.
... ثم علقت على النص بأن الأوامر فيه للندب لا للوجوب... (202- 207) . ...