والرجل المائة: يطبع الكتب النافعة ، وينسخ الأشرطة المؤثرة ، ليتم توزيعها على المقاهي والملاهي ، والمستوصفات والمستشفيات ، والبنوك والسجون ، وصوالين الحلاقة ، وكبائن الهاتف ، ومواقف السيارات ، والمدرس والمصانع ، والمجالس والجوامع ..
فكم من ناسٍ تذكر ! وساهٍ تدبر !
وكم من جاهلٍ تعلم ! وعاصٍ تندم !
وكم من ضالٍ اهتدى ! وغاوٍ اعتدل !
والفضل كلُّ الفضل لله أولًا وآخرًا ، ظاهرًا وباطنًا ، ثمَّ لذلك الداعية الصامت ، والناصح الساكت !
وحسبه ، والله حسيبه ؛ هذه الغنيمة الباردة ، والجائزة الجاهزة !
عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من دلَّ على خيرٍ ، فلهُ مِثلُ أجرِ فاعِلِهِ" [1]
الرجل المائة: يعيش همَّ الدعوة إلى الله في كلِّ حال ، ويحرص على الأجور المتعدية ، فالعمر وقفٌ لله تعالى ، ليس للنفس منه حظٌ ولا نصيب ، والدعوة لا تعيش على فضول الأوقات ! بل على أفضلها !
سمعت عن رجلٍ عين معلمًا في بادية من البوادي حيث الصحراء القاحلة والسهول الموحشة والجبال القفراء والأودية الجدباء ..
لم يتوانى كما فعل البعض ، ولم يتقاعس كما صنع الغير ، بل أدرك أنه بدأ رحلة العمل ، ودخل مضمار التسابق على بذل الخير وفعل المعروف
يُبصِرُ طلابه يأتون كلَّ صباح بمراكبهم المتهالكه .. يأخذون من علمه وينهلون من خلقه .
وما هي إلاَّ لحظات وكأن شيئًا لم يكن .. فالصحراء تبتلعهم بعد لحظات من نهاية الدوام كما تلدهم عند بزوغ الصباح .. ليظل في مدرسته مع نفر قليل ممن هم على شاكلته من المعلمين الذين أخذوا يندبون حظهم ويتحسرون على ماضيهم السعيد !
استشعر الداء .. ثم شرع في الدواء ..
بنى مسجدًا صغيرًا بجوار مدرسته بمساعدة بعض الصالحين ..
(1) صحيح مسلم (3/1197) (1893) .