النية الصالحة وحدها لا تكفي في صلاح العمل
الذين صوروا هذه الصور -صور الرجال الصالحين- هل كانت نيتهم الشر؟ هل كانوا يريدون أن يعملوا هذه الأعمال لتدخلهم النار؟ هل عملوها ونصبوها وعظموها ليبتعدوا عن الله، ولينالهم غضب الله عز وجل؟
هذا شيء لم يريدوه مطلقًا كما هو ظاهر في القصة السابقة، ولذلك لا حجة لأي مبتدع، ولا صاحب هوى، أن يقول: ما قصدنا إلا الخير، ونيتنا طيبة، وهدفنا سليم، هذا صحيح، ونحن لا نتكلم عن نياتكم، فيمكن أن تكون نياتكم طيبة، فإن هدف قوم نوح ونيتهم وغرضهم كان سليمًا وما كانوا يريدون لأنفسهم أن يكونوا من أصحاب الجحيم، ولا كانوا يقولون: نريد أن نبتدع في الدين؟ بل كان الغرض سليمًا، لكن هذا الغرض لمّا كان من عند أنفسهم، ولما كان ابتداعًا لم يتبعوا فيه شرعًا ولا وحيًا من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم ينفع ذلك الغرض.
ولهذا لما ننتقل إلى الأمتين -اللتين نستعين الله عز وجل في كل ركعة وفي كل صلاة على ألا يجعلنا كحالهما، وأن يثبنا على الصراط المستقيم، ويجنبنا طريقهما - نجد هذا أيضًا موجودًا بالذات في أمة الضلال: اليهود المغضوب عليهم، خصت الأمة اليهودية بالغضب، كما خصت الأمة النصرانية بالضلال، وكلاهما مشرك، وحكى الله عنهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30] كلاهما مشرك بالله عز وجل، وكلاهما كافر ومتوعد بالنار، كما نص على ذلك كتاب الله عز وجل، وكما نص عليه نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يبلغ أحدًا من هاتين الأمتين دين محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فلا يؤمن به؛ إلا كان من أهل النار.