أحدها: أن حديث النهي عن بيع المضطر ضعيف لا يصح الاحتجاج به كما قرر علماء الحديث، فقد رواه أحمد وأبو داود والبيهقي من حديث صالح بن عامر عن شيخ من بني تميم عن علي بن أبي طالب مرفوعًا. قال ابن القطان: صالح بن عامر لا يُعرف، والتميمي لا يُعرف. وفي (ميزان الاعتدال) : صالح بن عامر نكره، بل لا وجود له، ذُكر في حديث لعلي مرفوعًا أنه نهى عن بيع المضطر، والحديث منقطع. وقال عبد الحق: هو حديث ضعيف. وقال البيهقي: روي من أوجه عن علي وابن عمر، وكلها غير قوية. وضعّفه ابن حزم في (المحلّى) . وقال النووي في (المجموع) : وهذا الإسناد ضعيف، لأن هذا الشيخ من بني تميم مجهول [1] .
والثاني: أننا لو سلمنا جدلًا بمنع بيع المضطر، فيجب التنبه على أنه ليس كل مضطر إلى شراء ما يحتاج إليه هو وعياله من طعام وشراب ودواء وملبس ومسكن وغير ذلك، أو إلى بيع ما عنده لشراء ذلك يدخل في مفهوم (المضطر) الذي نهى عن بيعه. قال ابن حزم - بعد بيانه ضعف حديث النهي عن بيع المضطر -:"فإذا لم يصحّ هذان الخبران، فلنطلب هذا الحكم من غيرهما، فوجدنا كل من يبتاع قوت نفسه وأهله للأكل واللبس، فإنه مضطر إلى ابتياعه بلا شك، فلو بطل ابتياع هذا المضطر لبطل بيع كل من لا يُصيب القوت من ضيعته، وهذا باطل بلا خلاف ... وقد ابتاع النبي - صلى الله عليه وسلم - أصواعًا من شعير لقوت أهله، ومات ودرعُه مرهونة في ثمنها، فصحّ أن بيع المضطر إلى قوته وقوت أهله وبيعه ما يبتاع به القوت بيعٌ صحيحٌ لازمٌ، فهو بيع عن تراضٍ، لم يجبره عليه أحدُ، فهو صحيح بنصّ القرآن" [2] .
(1) ) ... أنظر: فيض القدير 6/332، مختصر سنن أبي داود، للمنذري 5/47، مسند أحمد 1/116، سنن البهقي 6/17، المحلّى 9/22، معالم السنن للخطابي 5/47، المجموع للنووي 9/161.
(2) ) ... المحلّى 9/22.