أحدهما: أن المعنى الذي لأجله حُرم الربا هو ظلم المُقرض للمقترض [1] بأخذ زيادة مشروطة على ما دفع إليه في عقد قرض أو حيلة ربوية إليه (كما في مسألة العينة التي يُتواطأ فيها في إقراض دراهم بدراهم متفاضلة وبينهما حريرة) وليس مجرد تحمل المحتاج خسارة مالية مقابل حصوله على نقد معجل في عقد معاوضة مالية محضة كالسلم، أو في مقابلة الحصول على سلعة معجلة في بيع النسيئة، فذلك جائز مشروع بإجماع الفقهاء. إذ إن من المقرر شرعًا جواز كون النقد المعجل (رأس المال) في عقد السلم أقل من القيمة الحاضرة للمبيع المؤجل فيه، بحيث يُزاد في المسلم فيه مقابل تأجيله [2] ، وكذلك يأخذ الأجل قسطًا من الثمن في بيع النسيئة [3] .
(1) ) ... مجموع فتاوى ابن تيمية 29/24، القواعد الفقهية لابن تيمية ص 117.
(2) ) ... قال ابن رشد:"إن السلم إنما جوز لموضع الارتفاق، لأن المسلم يرغب في تقديم الثمن لاسترخاص المسلم فيه، والمسلم إليه يرغب فيه لموضع النسيئة". (بداية المجتهد 2/203) . وقال ابن القيم:"فإن المستسلف يبيع السلعة في الحال بدون ما تساوي نقدًا، والمُسلف يرى أن يشتريها إلى أجل بأرخص مما يكون عند حصولها، وإلا فلو علم أنها عند حلول الأجل تباع بمثل رأس مال السلم، لم يُسلم فيها، فيذهب نفع ماله بلا فائدة" (زاد المعاد5/815) .
(3) ) ... كما قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى 29/499، وحكى ابن قدامة وجه لزوم الأجل عند التراضي على تأخير ثمن المبيع والأجرة والصداق وعوض الخُلع:"بأن الأجل فيها يأخذ جزءًا من العوض". (المغني 6/432) .
... = وأساس ذلك: أن للأجل قيمة مالية معتبرة عرفًا وشرعًا إذا كان في عقود المعاوضات المالية المحضة، لأنها تجارة أذن الشارع فيها، وحث عليها، واعتبرها سببًا مشروعًا للاكتساب والاسترباح وطلب الفضل، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ } ] النساء: 29[ وذلك على خلاف الأجل في القرض، فإنه لا يجوز أخذ العوض عنه، إذ هو من ربا النسيئة، لأن القرض في النظر الشرعي عقد إرفاق وإحسان، قوامه تبرع المُقرض بمنافع ماله للمقترض مدة القرض في الدنيا على أن يستوفي قيمتها من الله تعالى يوم القيامة، ولا يصح شرعًا جعل القرض سبيلًا للاكتساب والاسترباح والمتاجرة بالديون في الدنيا بأخذ البدل عن الأجل فيه.