... ولم يكن هذا التطور في الحقيقة غريبًا، لأنه مقتضى الحوافز الفطرية ونتيجة طبيعية للسنن الكونية التي تحكم الأنشطة المالية والاقتصادية، والتي تقتضي تخفيض التكاليف لزيادة الربح بكل ما هو ممكن، كما سبق. وذلك أن السلعة غير مقصودة أصلًا للمتورق، فليس من مصلحته قبضها وحيازتها ثم بيعها، بل كل ذلك يمثل أعباء إضافية فوق تكلفة التمويل، ولذلك سيقبل بأي أسلوب مناسب للتخلص من هذه التكاليف. وإذا كان البائع مصرفًا، فهو أيضًا ليس له أي مصلحة في السلعة أصلًا، فسيسير في الاتجاه نفسه كذلك. وهذه هي سنة الحياة الاقتصادية، ومن ظن أن الأمور تسير بعكس ذلك فهو بعيد عن معرفة السنن والحوافز التي توجه النشاط الاقتصادي.
... إن العاقل لا يسير في طريق يعلم أن نهايته هاوية سحيقة لا قرار لها. بل يدع الطريق من بدايته ويبحث عن طريق آمن يفضي به إلى غايته ومطلوبه. والسائرون في ركب العينة، بصورها المختلفة، يدركون أنهم سائرون في طريق نهايته هي هاوية الربا السحيقة، لكنهم مع ذلك يزعمون أنهم قادرون على التوقف تمامًا أثناء الطريق أو قبيل بلوغ الهاوية بما يكفي.
... وهذا في الحقيقة وهم كبير؛ لأن الطريق ليست مستوية، بل هي منحدرة باتجاه الهاوية. وانحدارها تدريجي لا يلحظ بوضوح في أولها، لكنه يتزايد بشكل كبير في آخرها، وحينها سيكون من الصعب جدًا الصعود للسفح مرة أخرى والعودة لأول الطريق.
موقف الفقهاء من التورق المنظم
... لم يذكر الفقهاء مصطلح «التورق المنظم» بطبيعة الحال، لكنهم صرحوا بالصيغة نفسها، كما قرروا من المعايير والضوابط ما يكفي لمعرفة موقفهم من هذا النوع من التعامل.