... والحاصل أن منفعة البيع، أو القيمة المضافة للتبادل، هي التي تجبر الزيادة في الثمن مقابل الأجل. وهذه المنفعة منتفية في القرض، فتبقى الزيادة دون مقابل، فتكون ظلمًا على المدين. وتظهر حكمة التشريع في تحريم هذه الزيادة بالنظر في لوازمها وآثارها. فالسماح بها يؤدي إلى نمو المديونية بمعزل عن نمو الثروة الحقيقية. وهذا يقود إلى تضاعف المديونية واستفحالها بما يشلّ النشاط الاقتصادي ويستنزف الثروة، كما سيأتي.
... إذا تقرر ذلك فإن الزيادة في الثمن الآجل إنما شرعت لوجود ما يجبرها وهو منفعة السلعة والقيمة المضافة للتبادل. وفي جميع صور العينة، بلا استثناء، لا تحقق السلعة أي منفعة للمدين، ولا يحقق التبادل أي قيمة مضافة، بل هو مجرد وسيلة للاقتراض. وإذا انتفعت منفعة التبادل انتفت حكمة مشروعية الزيادة في الثمن مقابل الأجل، وهذا يبطل الزيادة شرعًا، ولهذا قال النبي ?: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» . [1] وهذا نص في إبطال الزيادة في بيع العينة. فالزيادة في هذه الحالة تصبح من الربا، ويجعلها باطلة شرعًا.
... وهذا المعنى هو الذي يميز التمويل الإسلامي عن التمويل الربوي. فالتمويل في الأصل وجد ليسهل التبادل ويخدم النشاط الحقيقي المنتج، وعائد التمويل إنما يستحق لكونه سبًا في توليد الثروة. أما العينة، فهي تعكس العلاقة بين التمويل والتبادل، فيصبح التبادل وسيلة والتمويل غاية، ويصبح البيع تابعًا بدل أن يكون متبوعًا. وإذا انعكس الوضع لم يكن هناك أي مبرر اقتصادي لعائد التمويل، ولم يكن هناك من ثم فرق بين الزيادة مقابل الأجل وبين الربا.
هرم المديونية
(1) ... رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الترمذي وابن حبان. صحيح الجامع (6116) .