وقد بينت بعض الأحاديث عظم فضيلة بر الوالدين وأن برهما آكد من الجهاد في سبيل الله، فعن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال:"أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد"وفي رواية أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، قال:"فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما" [1] .
ونجد حديثًا يبين أن البر بالوالدين عند كبرهما وضعفهما بخدمتهما أو الإنفاق عليهما أو غير ذلك من ألوان وصور البر سبب لدخول الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه، قيل من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة [2] .
المبحث الثالث
التأديب في نطاق الأسرة، مشروعيته، شروطه، ضوابطه
تمهيد:
كلمة التأديب مصدر للفعل أدب، وإذا قلنا أدب إنسان غيره فإن معنى العبارة هو أنه علمه رياضة النفس ومحاسن الأخلاق، قال أبو زيد الأنصاري: الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل [3] .
ومن الأمور الواضحة أن التأديب لا يكون إلا ممن له الولاية على من يراد تأديبه، وعلى هذا فإن التأديب في نطاق الأسرة سيكون موكولًا إلى الرجل، بوصفه زوجًا وبوصفه والدًا، فكل من صفتيه تعطيه حق الولاية الآذن بالتأديب قبل الزوجة وقبل الأولاد عندما يستدعى الأمر ذلك.
لماذا كانت الولاية في البيت للرجل؟ يحتاج إثبات الولاية للزوج على أسرته - زوجة وأولادًا - إلى شيء من الإيضاح.
(1) ... المصدر السابق صفحة 103، 104.
(2) ... صحيح مسلم بشرح النووي ج16 صفحة 109.
(3) ... المصباح المنير، لأحمد بن محمد بن على المقري الفيومي، مادة أدب.