فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 24

قال قائل: وضعت ميزانا لا حد له، ولا رقم. فمن الذي يعرف حدّ هذه الحاجة ؟، فالحوائج تختلف باختلاف المحتاجين، فإنسان حاجته أعظم من إنسان، والعكس، فضع ميزانا معلوما محددا، يعرف به القدر الذي نأخذ به من الدنيا، فلا نكون قد أغرقنا، وإلا فقد أسهمت في عمى الناس.

فالجواب: لا ميزان محدد، ولا رقم معلوم، إنما هي قاعدة عامة:

إذا عطش المرء شرب قدر ما يروي الظمأ، فإن زاد قليلا احتمل، فإن أكثر قد يحتمل، فإن بالغ هلك.

وإذا جاع أكل حتى يشبع، والشبع ليس له حدٌّ مرقوم، بل مقدر، فإن زاد فجعل من الزيادة ديدنا، تضرر بالسمنة، فإن بالغ فأكل بعيرا، هلك.

فالأخذ من الدنيا يكون على مثل ما يحتاج البدن من الطعام والشراب:

-فهناك حد زائد لا يدركه آحاد الناس، ولا الإنسان نفسه، ويدركه الحكيم العارف.

-وهناك حد زائد يدركه الجميع، لايختلفون عليه (= كالأكل في صحائف الذهب والفضة، والسكن في القصور، وركوب السيارات الفارهة، وارتداء الملابسة الباهظة) .

-وهناك زيادة لا يدركها إلا هو في نفسه، فإما يكون فرحا معجبا، أو يلوم نفسه عليها.

المهم في هذا:

ألا يدخل في قائمة الذين لا يختلف على ترفهم وبذخهم.

ثم ألا يدخل في قائمة حكم الحكماء العارفين: أنه من المترفين.

أما ما بينه وبين نفسه، فذاك أمره هيّن.

وإلا يشابه من فقدوا الإيمان في إقبالهم على الدنيا، فإن الله تعالى:

- {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها..} .

ونحب أن نلفت النظر: إلى أن الزهد تختلف حدوده من زمن إلى زمن، من دون إطلاق، بل إلى حد معلوم، فمقصود الزهد عدم التعلق بالدنيا، والتعلق يكون بالتميّز في حيازة الأشياء عن سائر الناس، أو العيش حياة بذخ، لا يختلف عليها أنها بذخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت