واشتهر في ذلك أبو عمر بن العلاء، واشتهر غيره بضبط اللغة كيونس بن حبيب وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي.
ويروى أن رجلًا سأل يونس بن حبيب"هل يقول أحد الصويق يعني السويق. قال: نعم، عمرو بن تميم تقولها. وما تريد إلى هذا، عليك بباب من النحو يطرد وينقاس." [1]
إن ما يلفت الانتباه هنا، هو أن السائل يسأل عن الكلمة وكيف ينطقها العرب، وهل يتفقون على أداء واحد أم هناك خلاف بينهنم، ويجيبه يونس بن حبيب إجابة ناتجة عن معرفة واستقراء للفظة والناطقين بها ويحثه على دراسة لهجات القبائل واستقرائها وحصرها، والتي انتهى منها الجامعون المصنفون قبل هذا الحين.
إن جواب يونس بن حبيب يوحي بأن العرب تفرغوا لرصد الظواهر اللغوية وما تحويه من دلالات؛ فدراسة الأصوات العربية إنما هي دراسة للوحدات الأساسية التي يتكون منها التركيب اللغوي. ودراسة الكلمات الغريبة في القرآن الكريم، يعني معرفة ما تتكون منه من أصوات، وما تحمله من دلالات وما تؤديه من وظائف داخل التركيب اللغوي الذي وضعت فيه.
وقد اتفق المؤرخون القدماء [2] على أن واضع النحو العربي هو أبو الأسود الدؤلي، غير أنهم ذكروا إلى جانب ذلك روايات أخرى تنسب وضعه إلى غيره.
أما المحدثون [3] فلقد اشتبه عليهم الأمر بين ما فعله أبو الأسود وما فعله تلاميذه فنفوا فضل أبي الأسود على القرآن الكريم، وأرجعوه إلى آخرين.
(1) -طبقات الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي ص6، إعداد اللجنة الجامعية لنشر التراث العربي، دار النهضة -بيروت -لبنان.
(2) -ويمثلهم ابن سلام الجمحي في كتابه طبقات الشعراء، والزبيدي في كتابه طبقات النحويين واللغويين، وابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء.
(3) -ومنهم أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام، وشوقي ضيف في كتابه المدارس النحوية، وكارل بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي ترجمة عبد الحليم النجار.