الدرس 41/50 ، سيرة الصحابي: ثابت بن قيس الأنصاري ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .
تفريغ: المهندس عبد العزيز كنج عثمان .
التدقيق اللغوي: الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي: المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الواحد والأربعين ، من دروس سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وصحابي اليوم ، سيدنا ثابت بن قيس الأنصاري .
ولحكمةٍ بالغة اختار اللهُ سبحانه وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام أصحابًا ، هم قِمَمٌ في البطولة ، لكن البطولات منوَّعة ، وهذا الصحابي الجليل كان الناطق الرسمي ، باسم النبي عله الصلاة والسلام ، كان خطيبه ، أي آتاه الله قدرةً بيانية ، والإنسان يحتاج إلى أن يكون ، متمكنًا من اللُّغة، لأنها قالب المعاني ، والمعاني لا يمكن أن توصلها إلى الناس إلا بقالبٍ مقبول .
فإذا اختار أحدكم أن يكون داعيةً إلى الله عزَّ وجل ، وهي صنعة الأنبياء ، وهي أشرف عملٍ على وجه الأرض ، لا بدَّ له إضافةً إلى إيمانه ، وتوحيده ، وإخلاصه ، واتصاله ، وعباداته، وأوراده ، وبذله ، وتضحيته ، وانضباطه ، إضافةً إلى كلِّ ذلك ، لا بدَّ له من بيان ، لذلك كما قال سيدنا عمر:
(( تعلموا العربية فإنها من الدين ) ).
فأحيانًا ، في مَجْمع كبير ، مهما كنت متَّقد الإيمان ، ومهما كنت شديد الإخلاص، إن لم تكن متمكنًا من اللُّغة فلن تستطيع أن تنقل أفكارك الدقيقة ، ومشاعرك الإيمانية ، ولا أن تؤثِّر في الآخرين ، فهذه اللُّغة علم الأدوات ، فحينما تريدُ أن تنطق بالحق فلا بدَّ لك من أداة ، إنما هي اللُّغة ، لذلك فالذي يبذل جهدًا في تعلمُّ اللُّغة ، وتعلم تلاوة القرآن ، فله ثوابه عند الله تعالى ، ويجب أن تتلو القرآن ، تلاوةً صحيحةً ، ويجب أن تتكلم بلغةٍ صحيحة ، مبدئيًا صحيحة ، وبعد قليل نقول لك: لا بدَّ من لغةٍ أدبية.
قال أحدهم: تكاثرتْ عليَّ المصائبُ ، وهذا كلام فصيح ، وقال المتنبِّي:
رماني الدهرُ بالأرزاءِ حتى ... فؤادي في غشاءٍ من نبالِ
فصرتُ إذا أصابتني سهامُ .. تكسَّرَتِ النِّصالُ على النِّصالِ
هذه صورة أدبية ، والتعبير إما أن يكون تعبيرًا مبتذلًا ، عامِّيًا ، سوقيًا ، وإما أن يكون تعبيرًا صحيحًا ، وإما أن يكون تعبيرًا أدبيًا ، فنحن قبل كل شيء ، نطالب الإخوة الذين يطمحون إلى أن يكونوا دعاةً إلى الله عزَّ وجل ، أن يمتلكوا قدرةً بيانية ، أن يكون تعبيرهم صحيحًا ، فصيحًا ، إذا أتقنوا هذه الناحية ، نطالبهم ، أن يرقوا بمستوى لغتهم إلى المستوى الأدبي .
فسيدنا ثابت بن قيس ، هذا الصحابي الجليل كان خطيب النبي عليه الصلاة والسلام، فكلما كانت تأتيه الوفود ، ويتبارون أمامه بشِعرهم وخطاباتهم ، يدعو النبيُّ الكريمُ سيدَنا ثابت بن قيس ليقف خطيبًا ينطق باسم النبي عليه الصلاة والسلام .
ولا أزال أعيد وأكرر ؛ إنّ كل الحظوظ التي يمكن أن يؤتيك الله إياها ، ابتداءً من وسامتك ، ومن طول قامتك ، ومن نصاعة لونك ، ومن رجاحة عقلك ، ومن طلاقة لسانك ، ومن كثرة مالك ، ومن أي حظٍ يؤتيك الله إياه ، هذه الحظوظ ، إما أنها درجاتٌ ترقى بها إلى أعلى علِّيِّين ، وإما أنها دركاتٌ تهوي بها إلى أسفل سافلين .
الذين يكتبون القصص الماجنة أليسوا أدباء ؟ أليسوا أذكياء ؟ هؤلاء يستخدمون اللُّغة والبيان في إفساد مجتمعٍ بأكمله .
فلذلك تعلموا العربية فإنها من الدين ، وإنّه لشيء عظيم جدًا أن تتقن لغة القرآن ، ولا تعرف هذه النعمة إلا إذا التقيتَ بمسلمٍ من بلدٍ لا ينطق بالعربية ، أنت تستمع إلى اللُّغة العربية ، وإلى القرآن الكريم ، وإلى الحديث الشريف بيُسْرٍ وراحةٍ ، من دون عناءٍ ، ولا جهدٍ ، وغيرك يتلوَّى على أن يفهم معنى هذه العبارة ، لذلك هؤلاء العرب ، الذين جعلهم الله أمةً وسطى ، بمعنى أنهم وسطاءُ ، بين الله عزَّ وجل ، وبين الخلق ، فالذي ولد في بلدٍ عربي ، ونشأ على اللُّغة العربية ، فهذه نعمةٌ لا تقدَّر بثمن ، فعليه أن يصقل لغتَه صقلًا ، وأن يهذِّبها ، وأن يطلب العلم .
إذا وَجد أخ مؤمن عنده كتابًا صغيرًا في اللُّغة العربية ، في تيسير قواعد الُّلغة العربية ، ألا يخطُر في باله أن يَسأل: ما الفرق بين قط ، وبين أبدًا ؟ لن أفعل هذا قط .. غلط ، ما فعلت هذا أبدًا .. غلط ، قطُّ تستغرق الزمن الماضي ، ما فعلته قط ، ولن أفعله أبدًا ، ألم يخطر ببالك أن تعرف الفرق بين نعم ، وبلى ؟ فرقٌ كبير:
( سورة الأعراف: آية"172")
إذا قالوا: نعم ، فقد كفروا ، نعم أي لست ربنا ، أما إذا قالوا: بلى ، أي أنت ربُنا ، فنعم تثبت النفي ، وبلى تنفي النفي ، ونفي النفي إثبات ، فرقٌ كبير بين نعم وبين بلى .
فرقٌ كبير بين إذا وبين إن ، قال تعالى:
( سورة الحجرات: أية"6")
(إنَّ) ، تفيد احتمال الوقوع ، لكن (إذا) تفيد تحقق الوقوع ، أي:
( سورة النصر )
لا بدَّ أنْ يأتي نصرُ الله ، أما:
(سورة الحجرات ، الآية 6)
فقد يأتي وربما لا يأتي ، ألا تشتاق إلى معرفة معاني الأدوات ؟ ماذا تعني أنَّى:
( سورة البقرة: آية"223")
ينبني على معرفة معنى (أنَّى) حكمٌ شرعيٌ دقيقٌ دقيق ، خاصٌ خاص ، لا بدَّ للزوج أن يعرفه .
لذلك فهناك كتب في معاني الأدوات ، فمعنى (إذا) ، نحن درسنا في الجامعة ثمانية وأربعين حالة لـ: ما ، وهذا الكتاب اسمه [مُغني اللبيب عن كتُب الأعاريب] لابن هشام النحوي ، فأحد أجزائه في معاني أدوات اللغة العربية ، جزء بكامله منه ، أربعمائة صفحة أو أكثر ، تتحدَّث عن أدوات اللغة العربية ، كيف ، أربعة عشر نوعًا لها ، اللام لها عشرون نوعًا ، فالأدوات بعضُها حروف وبعضها أسماء ، فهذه لغتكم ، ولغة آبائكم وأجدادكم ، هذه لغة نبيِّكم عليه الصلاة والسلام ، هذه لغة القرآن ، فتعلُّم العربية واجبٌ دينيّ ، لأن فهم القرآن يحتاج إلى لغة ، والنطق في تفسير القرآن يحتاج إلى لغة ، فأكثر الناس يقول لك في قوله تعالى:
( سورة البقرة: آية"282")
يعنون: إذا تتقي الله يعلِّمك الله .. ليس هذا هو المعنى المقصود إطلاقًا ، هذا معنى غير صحيح ، لو أن الله قال: واتقوا الله يعلِّمْكُم الله .. لصحَّ المعنى ، انظُرْ إلى الفرق بين: يعلِّمُكُم - بضمِّ الكاف - وبين يعلِّمْكم - بسكون اللام - لأنه لو قال الله: اتقوا الله يعلِّمْكم ، لصار اتقوا فعلَ طلب، ويعلِّمْكم جواب الطلب ، مجزوم لوقوعه جوابًا لطلب ، أما: اتقوا الله ، ثم استئناف: ويعلِّمُكُمُ الله ، أي الله يعلِّمكم دائمًا ، علَّمكم بالكون ، وبالعقل ، وبالقرآن ، وبالدعاة ، وبالعلماء ، وبالأحوال النفسية، وبالأحداث ، ما دام الله يعلِّمكم دائمًا ، فلِمَ لا تتقون الله عزَّ وجل ، هذا هو المعنى .
فالإنسان أحيانًا يشعر بأمسِّ الحاجة لفهم خصاص اللغة ، ذات مرة أحد المتعهدين استلَم مشروعًا ، فلمَّا تسلَّم أصحاب المشروع التعهُّد ، خصموا منه خمسمائة ألف ليرة ، فأقام عليهم دعوى، واحتجَّ بحرف (من) ، ففي دفتر الشروط كتب: عليه أن يقدِّم من أجود المواد ، فقال: اسألوا مجمع اللغة العربية ، هل تعني من أجود المواد أن أقدِّم أجود المواد ؟ هذه من للتبعيض ، وربح الدعوى، واسترد المبلغ بشرح كلمة (من) التي كان معناها في النص التبعيض ، أيْ بعض .
كلُّكم يعلم هذا القرار الذي أصدره وزير الخارجية البريطاني: على إسرائيل أن تنسحب من أراضٍ احتُلَّت ، ترجمت إلى العربية: من الأراضي المحتلَّة ، العرب وافقوا على هذا القرار، لأنه ينصُّ على أن إسرائيل عليها أن تنسحب من كل الأراضي المحتلَّة ، والترجمة الإنكليزية ، أن تنسحب من أراضٍ ، فهذا التنكير للتبعيض ، محتلَّة ، اختلف المعنى من الأرض إلى السماء ، فاللغة العربية دقيقة جدًا.
وأنا الآن لست في معرض بيان دقائق هذه اللغة ، فهو بحثٌ ممتعٌ وطويلُ ، فأحيانًا حرف واحد يغيِّر المعنى تغييرًا جذريًا ، ألم يسأل الحَجَّاج شخصًا قائلًا له: من أنا ؟ قال له: أنت قاسطٌ عادل ، فسأل أصحابه: أتدرون ماذا قال لي ؟ قالوا له: مدحك ، قال: لا ، بل قال لي: أنت ظالمٌ كافر ، قالوا: وكيف ؟ قال: قال تعالى:
( سورة الجن )
المُقسِط هو العادل ، أما القاسط فهو الظالم ، أما عادل ، فقد قال تعالى:
( سورة الأنعام )
أي عدلوا عن الإيمان إلى الكفر ، فهو عادلٌ قاسط .
على كلٍّ من علامات إيمان الإنسان ، أن يحبَّ اللغة العربية ، وأن يحبَّ أهلها ، وأن يتعلَّم قواعدها ؛ نحوها ، وصرفها ، وأوزانها ، وهذا شيء ممتع ، لكني أرى بعض الإخوة ، وأشعر أن إيمانه قوي ، وفيه إخلاص ، ولديه عاطفه جيَّاشة ، لكن إذا أراد أن يتكلَّم وجدتَ كلامه مضطَّربًا ، وعباراته غير صحيحة ، وجمله غير متماسكة ، يلحن كثيرًا ، لذلك كمن يقدِّم شرابًا نفيسًا بالتعبير العامي (بكيلة مصدِّية) لا يُشرَب بها ، شراب نفيس يُقَدَّم في وعاء قمئ ، صدئ ، قديم ، بشع ؛ لكن هذا الذي يقدِّم أثمن شراب بكأسٍ فضّي مثلًا فهو المناسب ، فلا بدَّ أن يتناسب المضمون مع الشكل ، أنت صاحب دعوة ، وأنت مؤمن ، فلا بدَّ أن يكون كلامك موزونًا ، لذلك: تعلَّموا العربية ، فإنَّها من الدين .
ثابت بن قيس الأنصاري ، سيدٌ من سادات الخزرج المرموقين ، ووجهٌ من وجوه يثرب المعدودين ، وكان إلى ذلك ذكيَّ الفؤاد ، حاضر البديهة ، رائع البيان ، جهير الصوت ، إذا نطق بزَّ القائلين .
هذا ابن المقفَّع يصف صديقه ، فقال: (( لي صديقٌ كان من أعظم الناس في عيني ، وكان رأس ما عظَّمه في عيني صِغر الدنيا في عينيه ، فكان خارجًا عن سلطان بطنه - البطن له سلطان، وقد يقتل صاحبه - فلا يشتهي ما لا يجد ، ولا يُكثر إذا وجد ، وكان خارجًا عن سلطان الجهالة، فلا يتكلَّم بما لا يعلم ، ولا يماري فيما عَلِم ، وكان أكثر دهره صامتًا ، فإذا تكلَّم بزَّ القائلين ، وكان يُرى ضعيفًا مستضعفًا ، فإذا جدَّ الجِدُّ فهو الليث عاديًا ، وكان لا يدلي بحجَّةٍ ، إلا إذا رأى قاضيًا فَهْمًا ، وشهودًا عدولًا ، فعليك بهذه الأخلاق ، فإن لم تستطع ، فإن أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير ) ).
فهذا ابن قيس رضي الله عنه ، كان ذكيَّ الفؤاد ، حاضر البديهة ، رائع البيان ، جهير الصوت ، إذا نطق بزَّ القائلين .
بالمناسبة ، على كل مؤمن أنْ يعلم أنه سفير هذا الدين ، فعلى مستوى سفراء يعمل، فهل لاحظت ذات مرة أن سفيرًا اشترى ثوبًا من سوق الألبسة المستعمَلة ، معقول !!! في اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات ، تجد أناقة كاملة مائة بالمائة ، لماذا ؟ هل يمثِّل شخصه ؟ لا ، فهو يمثِّل دولته، السفير في الأساس سيارته التي يركبها عليها علم ، ما معنى ذلك ؟ أن في داخلها السفير ، إذا وجد العلم يكون السفير موجودًا ضمن السيارة ، ولماذا ذكرت هذه الكلمة ؟ لأنّ كل مؤمنٍ في الحقيقة سفير هذا الدين، فمظهرك الخارجي مهم جدًا ، وأنت كمسلم هل تليق الفوضى بدكانك ، يعلوه غبار واضطراب وقذارة ، هذا لا يجوز ، أنت تمثِّل هذا الدين ، مكتبك ، دكانك ، سبُّورتك ، خطَّك ، أُضيف إلى ذلك: أن تحسين الخط من الدين ، بعض الأطباء لا تفهم من خطه شيئًا .
فكان هذا الصحابي ذكيَّ الفؤاد ، حاضر البديهة .
فأنت سفير ، بيتك قد يكون صغيرًا ، ولكنَّه أنيق ونظيف ، دكانك ، مكتبك ، مظهرك ، هندامك ، كلامك ، أحدُ الأشخاصٍ لبس لباسًا أنيقًا جدًا في حفل ، وتكلَّم كلام بذيئًا ، فقال له أحد الحضور ، وقد أعجبتني هذه الكلمة: إما أن تلبس مثل كلامك ، أو تتكلَّم مثل لباسك .
اللباس يحتاج إلى كلام موزون ، فإما أن ترتدي ثيابًا من مستوى هذا الكلام السوقي ، أو تتكلَّم كلامًا موزونًا كهذا اللباس الأنيق ، مرةً ثانية: المؤمن سفير ، سفير هذا الدين ، مَن عنده حديثٌ شريف يؤكِّد هذا المعنى ؟
قال عليه الصلاة والسلام:"أنت على ثغرة من ثغر الإسلام ، فلا يؤتَيَنَّ من قِبلك".
أنت تمثِّل هذا الدين ، وأنت حارس ، وأنت مُوكَلٌ بمهمَّة .
فهذا سيدنا ثابت ، أحد السابقين إلى الإسلام في يثرب ، إذ ما كاد يستمع إلى آي الذكر الحكيم ، يرتِّلُها الداعية المكِّي الشاب مصعب بن عمير ، بصوته الشجي ، وجرْسه الندي ، حتى أَسَرَ القرآنُ سمعَه بحلاوة وقعه .
فإذا أكرمكم الله ، وتعلَّمتم التجويد ، يمكنك أنْ تقرأ وترتل ، فهو أجمل على قلبك، فالإنسان أحيانًا يطرب لنفسه ، فأجمل ساعات حياته يمضيها وهو يرتِّل القرآن ترتيلا ، فقد كان بعض أصحاب النبي إذا تلا كتاب الله بكى ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ نَعَمْ فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا قَالَ حَسْبُكَ الْآنَ فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ *
( متفق عليه)
فأحد أكبر مصدر للسعادة أن تتقن قراءة القرآن ، والعلم في الصغر كالنقش في الحجر ، والعلم في الكِبر كالكتابة على الماء ، وهذا الكلام للشباب ، للصغار ، تعلَّموا تجويد القرآن ، فالحمد لله الأمور ميسَّرة ، والأحوال مواتية ، فلا يوجد جامع إلا وفيه معهد لتحفيظ القرآن ، وأساتذة ، وتحفيظ ، وتجويد ، وتسميع ، فالآباء والأبناء عليهم أن يبادروا إلى تعلُّم تجويد القرآن ، وتسميعه .
كان هذا سبب إسلامه أنه استمع إلى صوت سيدنا مصعب بن عمير يتلو القرآن الكريم بصوتٍ شجيّ ، القرآن له سحر ، القرآن له أسْرٌ ، أما إذا قُرئ قراءةً غير صحيحة فقد أفقد المسلمُ قوة القرآن في تأثيره ، فهل هناك شكّ أن المسلم تأتي عليه ساعةٌ ، وهو يستمع إلى كتاب الله فيذوب ذوبانًا؟!!
(سورة الأنفال: آية 2)
هذا كلام الله عزَّ وجل ، فأنا أكاد أقول: ما من ساعةٍ أمتع في حياة المؤمن ، من ساعةٍ يقرأ فيها كتاب الله ، أو يستمع إلى كتاب الله من صوتٍ شجيِّ ، فيتفاعل ، طبعًا إذا كان مستقيمًا ، ومصطلحًا مع الله ، وتائبًا ، ومنيبًا ، فالقرآن يحرِّك أعمق مشاعره .
ولمَّا قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة مهاجرًا استقبله ثابت بن قيس في كوكبةٍ كبيرة من فرسان قومه أكرمَ استقبال ، ورحَّب به وبصاحبه الصديق أجملَ ترحيب .
ألا تلاحظون هذا الأدب الرفيع الذي يتخلَّق به أصحاب رسول الله ؟
سيدنا زيد الخير ، ما مضى على إسلامه إلا دقائق ، حتى دفع النبيُّ له وسادةً ليتَّكئ عليها ، فقال زيد:
"والله يا رسول الله ما كان لي أنة أتكئ في حضرتك".
الدين كلُّه أدب ، في الحركة ، في السكون ، في الوقوف ، فأنا البارحة في جامع النابلسي ، وفي أثناء الدرس رأيت أخًا ، واللهِ لا أعرفه ، وقد يكون أول درس يحضره ، رأيته قاعدًا ومادًّا رجليه ، ومرتاح تمامًا ، وموسعًا بينهما كثيرًا ، وكأنه يقعد في بستان ، ألم ينتبهْ أنّ هذا مسجد ، فالنبي عليه الصلاة والسلام:"ما رُئِي مادًّا رجليه قط".
هذا سيِّد الخلق ، طبعًا إذا كان معذورًا ، فهذا بحث آخر ، فالمعذور على العين والرأس ، كيفما أراد فليجلس ، ولو أحب أن يجلس على كرسي ، أو لو أحب على الأرض ، أو على طاولة ، فكيفما أحب فليجلسْ ، فالمعذور معذور ، فَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا *
(متفق عليه)
وهناك ظاهرة أخرى آلمتني ؛ لدينا في جامع النابلسي ديوانان ، وعدد مِنَ الكراسي، أحيانًا أُفاجأ أن شبابًا في ريعان شبابهم يجلسون في هذه الأماكن ، والإخوة المعذورون الذين تؤلمهم ظهورهم ليس لهم مكان ، فإذا أتم الله على أحدكم بنعمة الشباب ، والحيوية والنشاط ، فليس له أي حق في أن يحتل هذه الأمكنة المريحة جدًا ، أليس كذلك ؟ هذه ضمن قوسين .
وخطب زيد بن ثابت بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام خطبةً بليغةً ، افتتحها بحمد الله عزَّ وجل ، والثناء عليه ، والصلاة والسلام على نبيِّه ، واختتمها بقوله: وإنا نُعاهدك يا رسول الله ، على أن نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، وأولادنا ، ونساءنا ، فما لنا لقاء ذلك ؟
ما الثمن ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:"الجنَّة".
الدليل:
( سورة التوبة: آية"111")
صفقة ، تقدِّم لها وقتك كلَّه ، وجهدك كلُّه ، وإذا لزم الأمر قدَّمتَ حياتك ، ومالك، والثمن ؟ الجنَّة.
فما كادت كلمة الجنَّة تصافح آذان القوم ، حتَّى أشرقت وجوههُم بالفرحة ، وزَهتْ قسماتهم بالبهجة ، وقالوا:"رضينا يا رسول الله ، رضينا يا رسول الله".
اتفقنا ، الصفقة تمَّت .
ومنذ ذلك اليوم ، جعل النبي عليه الصلاة والسلام ثابت بن قيس خطيبه ، كما كان حسَّان بن ثابت شاعره .
كان له شاعر ، وكان له خطيب ، فقد كان في الجاهلية قبل الإسلام أعلى منصب رئيس القبيلة ، ويليه الشاعر ، كمنصب رفيع جدًا ، فالشاعر وقتها كان وزير إعلام ، ينطق باسم القبيلة ، يثني عليها ، ويردُّ على خصومها ، ويهاجم أعداءها ، هكذا كان الشعر .
فصار إذا جاءت النبي وفود العرب لتفاخره ، أو تناظره بألسنةٍ فصيحةٍ ، ندب النبي لهم ثابت بن قيس ، لمصاولة الخطباء ، وحسَّان بن ثابت ، لمفاخرة الشعراء .
كان له خطيب ، وكان له عليه الصلاة والسلام شاعر ، وأشرف عمل أن تكون في خدمة الحق ، وأعظم عمل أن توظِّف اختصاصك في الحق ، وتقول: أنا أختصّ في هذا العمل ، فهل لكم حاجة بعملي ؟
اليوم التقيتُ مع طبيب ، قلت له: جزاك الله خيرًا ، وهذا الطبيب منذ خمس أو ست سنوات اتصل بي وقال: أي أخ يحب أن يجري عملية ، أنا أجريها له مجَّانًا ، جزاه الله خيرا ، فبعثنا له أول شخص ، والعملية تمَّت بنجاح ، مجَّانا ، والثاني ، والثالث ، فلمَّا رأيته واللهِ أكبرته ، فقد سخَّر علمه واختصاصه ، في خدمة الحق ، فهو جرَّاح ماهر ، وإذا كان الإنسان المؤمن وكل مَن له اختصاص ، هذا بالطب ، وهذا بالمحاماه ، وهذا بالقضاء ، فإذا كان الشخصُ محاميًا ، وأعطى استشارة قانونية لإنسان فقير ، وكتب له عقدًا ، فهل يكون خاسرًا بهذا العمل ؟ هذا العقد وحده الرابح ، والباقي كلُّه خسارة ، إذا كنتَ طبيبًا ، أو موظَّفًا فساعِدْ ولو مواطنًا من دون أجر ، وإذا كنتِ بائعًا فأعطِ شيء من إمكاناتك ، من بضاعتك للفقراء المحتاجين ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
سيدنا ثابت وظَّف اختصاصه ، وطلاقة لسانه ، وخطابته في سبيل الحق .
وقد كان ثابت بن قيس ، مؤمنًا عميق الإيمان ، تقيًا صادقّ التقوى، شديد الخشية من ربه ، عظيم الحذر من كلِّ ما يغضب الله عزَّ وجل ، لقد رآه النّبي صلّى الله عليه وسلّم ، ذات يومٍ هلعًا ، جزعًا ، ترتعدُّ فرائصه ، خوفًا وخشيةً ، فقال:
ما بِك يا أبا محمد ؟ قال: أخشى أن أكون قد هلكتُّ يا رسول الله ، قال: ولمَ ؟ قال: لقد نهانا الله جلَّ وعز عن محبَّةِ أن نُحْمَدَ لِمَا لم نفعله ، وأجدني أحبُّ الحمد ، ونهانا عن الخُيلاء ، وأجدني أحبُّ الزهو ، فما زال النّبي عليه الصلاة والسلام يهدئ من روعه ، حتى قال: يا ثابت ، ألا ترضى أن تعيش حميدًا ، وأن تقتل شهيدًا ، وأن تدخل الجنة ؟ فأشرق وجه سيدنا ثابت بهذه البشرى ، وقال: بلى يا رسول الله ، بلى يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ لكَّ ذلك
.بشَّره أن يعيش حميدًا ، وأن يموت شهيدًا ، وأن يدخل الجنّة ، والنّبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى .
مرة بشّر صحابيًّا بالجنة اسمه فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ *
(متفق عليه)
سبق وأكلها ، هذا موقف ذكي جدًا ، ولمّا نزل قوله تعالى:
( سورة الحجرات )
تجنَّب ثابت بن قيس ، مجالس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، على الرغم من شدَّة حبّه له ، وفرط تعلّقه به ، ولزم بيته ، حتى لا يكاد يبرحه ، إلا لأداء المكتوبة ،"الصلوات المكتوبة"، فافتقده النبي صلّى الله عليه وسلّم .
وهذا من السنة ، فعلى المسلم أنْ يتفقد إخوانه ، ويسأل عنهم ، فلان أين هو ؟ ماذا يريد مني ؟ محبّة واللهِ ، لا نريد منك شيئًا ، إلا المحبة ، غاب شخص يومًا ، والشخص إذا غاب يُعرف رأسًا ، هذا مهم ، ووجوده مهم جدًا ، فيغيب درسًا فيسألُ عنه إخوانُه ، فإذا سُئل عن شخصٍ ، فهذه ميزة له .
فافتقده النبي صلوات الله عليه ، وقال: من يأتيني بخبره ؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله ، وذهب إليه ، فوجده في منزله محزونًا منكسًا ، قال: ما شأنك يا أبا محمد ؟ قال: شرّ، قال: وما ذاك ؟ قال: إنّك تعرف أني رجل جهير الصوت ، وأنَّ صوتي كثيرًا ما كان يعلو صوت النبي، وقد نزل من القرآن ما تعلم ، وما أحسبني إلا أنني قد حبط عملي ، وأنني من أهل النّار .
الآن تجد الشخص يرتكب الكبائر ، وهو مطمئن ، لكن ثابت بن قيس لأنّ صوته أعلى من صوت النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يعُد قادرًا على النوم ، خاف ، ما هذه القصة ؟ الصحابة كأنهم ليسوا من بني البشر ، وكأنهم فوق البشر ، أقول لكم: بعضُ الناس يرتكب الكبائر ، ويقول: لا تدقق ، أهذه معصية ؟ أهذا حرام ؟ أهذا ربا ؟ أهذا زنا ؟ أهذا فسق ؟ ، فهو في غفلة ، بل في ضياع .
ماذا نفعل ؟ زمن عاطل ، هكذا يجيبك ، لا ورع ، ولا إحساس ، ولا خوف من الله عزَّ وجل ، علامة المنافق أنّ الذنب عنده كالذبابة ، وعلامة المؤمن أنّ الذنب عنده كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدره ، يكاد يقع عليه ، فكلَّما عَظُمَ عندك الذنب ، كنت أرقى عند الله ، وكلّما صَغُرَ لديك الذنب ، كنت أقلَّ عند الله .
فرجع هذا الرجل إلى النّبي عليه الصلاة والسلام ، وأخبره بما رأى ، وبما سمع ، فقال: اذهبْ إليه ، وقل له:"لست من أهل النار ، ولكنك من أهل الجنة".
فكانت هذه بشارةً عظمى لثابتٍ ، وظلَّ يرجو خيرها طوال حياته ، لقد كان صوته جهوريًّا ، فكان إذا خطب يعلو صوتُه صوتَ رسول الله ، بسببِ الخطابة ، فالخطيب يحتاج الخطابة إلى صوت جهير ، ونبرات حادَّة ، وتلوين بالصوت .
وقد شهد ثابت بن قيس مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المشاهد كلَّها ، سوى بدر ، وأقحم نفسه في غِمار المعارك ، طلبًا للشهادة ، التي بشَّره النبي بها ، فكان يُخْطِئها في كلِّ مرة ، وهي قاب قوسين منه أو أدنى ، إلى أن وقعت حروب الردة بين المسلمين ومسيلمة الكذَّاب ، على عهد الصديق رضي الله عنه .
لقد كان ثابت بن قيس ، إذا ذاك أميرًا لجند الأنصار ، وسالمٌ مولى أبي حذيفة ، أميرًا لجند المهاجرين ، وخالد بن الوليد قائدًا للجيش كلِّه ، أنصاره ، ومهاجريه ، ومن فيه من أبناء البوادي ، ولقد كانت الغلبَةُ في جُلِّ الجولاتِ لمسيلمة الكذاب ، ولرجاله على جيش المسلمين ، حتى بلغ بهم الأمر أنْ اقتحموا فسطاط خالد بن الوليد ، وهمُّوا بقتل زوجته ، أمِّ تميم ، وقطعوا حبال الفسطاط ، ومزَّقوه شرَّ ممزَّق ، و الفسطاط الخيمة ، فرأى ثابت بن قيس يوم ذاك ، مِن تضعضعِ المسلمين ، ما شحن قلبه أسىً وكمدًا ، وسمع من تنابذهم ، ما ملأ صدره ، همًا ، وغمًا ، فأبناء المدن ، يرمون أهلَّ البوادي ، وأهل البوادي يصفون أبناء المدن ، بأنهم لا يحسنون القتال ، ولا يدرون ما الحرب ، عند ذلك تحنط ثابتٌ وتكفن،"تحنط ، وتكفن"ووقف على رؤوس الأشهاد وقال: يا معشر المسلمين ، ما هكذا كنّا نقاتل مع رسول الله صلّى الله عله وسلّم ، بئس ما عوَّدتم أعداءكم من الجراءة عليكم ، وبئس ما عوَّدتم أنفسكم من الانخذال لهم ، ثمَّ رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم إني أبرأ إليك ، مما جاء به هؤلاء من الشرك ،"أي مسيلمة وقومه"وأبرأ إليك ، مما يصنع هؤلاء ،"أي المسلمين"ثمَّ هبَّ هبة الأسد الضاري ، كتفًا لكتف ، مع الغُر الميامين ، البراء بن مالك الأنصاري ، وزيد بن الخطاب ، أخ سيدنا عمر بن الخطاب ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة ، وغيرهم ، وغيرهم من المؤمنين السابقين ، وأبلى بلاءً عظيمًا ، ملأ قلوب المسلمين حميةً ، وعزمًا ، وشحن أفئدة المشركين ، وهنًا ، ورعبًا ، وما زال يجالد في كلِّ اتجاهٍ ، ويضارب بكلِّ سلاحٍ ، حتى أثخنته الجراح ، فخرَّ صريعًا على أرض المعركة ، قرير العين بما كتب الله له من الشهادة التي بشَّره به حبيبُه النّبي عليه الصلاة والسلام ، مثلوج الصدر ، بما حقق الله على يديه للمسلمين ، من النصر.
وهناك بعض الأحاديث تصف حال الشهيد: الشهيد أولًا ، من تكرمته على الله ، أنه لا يحسُّ بألم الجراح إطلاقًا ، والشهيد من كرامته على الله ، أنَّ الله يطلعه على مقامه في الجنة ، في أثناء استشهاده ، ومن كرامة الشهيد على الله ، أنه تفوحُّ من دمائه ، رائحة المسك .
هذا شيء ثابت ، ثابت بالتجربة ، الشهيد لا يشعر بالآلام إطلاقًا ، ويرى مقامه في الجنة ، وتفوح من دمائه رائحة المسك ، وأعظم مقامٍ يناله الإنسان ، أن يموت ، واللهُ راضٍ عنه .
وكان على ثابتٍ درعٌ نفيسة ، فمرَّ به رجلٌ من المسلمين ، فنزعها عنه ، وأخذها لنفسه ، وفي الليلة التالية لاستشهاده ، رآه رجلٌ من المسلمين في منامه ، فقال للرجل: أنا ثابت بن قيس، فهل عرفتني؟ قال: نعم ، قال ؟ إني أوصيك بوصيةٍ ، فإياك أن تقول: هذا حلمٌ ، فتضيِّعها ، إني لمّا قتلت أمس ، مرَّ بي رجلٌ من المسلمين ، صفته كذا وكذا ، فأخذ درعي ، ومضى بها نحو خبائه ، في أقصى المعسكر ، من الجهة الفلانية ، ووضعها تحت قدرٍ له ، ووضع فوق القدر رَحْلًا ، فأتِ خالد بن الوليد ، وقل له: أن يبعث إلى الرجل من يأخذ الدرع منه ، فهي ما تزال في مكانها .
وأوصيك بأخرى ، إياك أن تقول: هذا حلم نائمٍ ، فتضيعها ، قل لخالدٍ: إذا قدمت على خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المدينة، فقل له: إنَّ على ثابت بن قيس ، من الدين كذا وكذا، وإن فلانًا وفلانًا من رقيقه عتيقان ، فليقضِ ديني ، وليحرر غِلماني .
رسالة واضحة وضوح الشمس ، معنى ذلك أنَّ الإنسان حينما يموت ، يرى ويسمع، يرى كلَّ شيء ، ويسمع كلَّ شيء ، الميت ترفرف روحه فوق النعش ، في أثناء تشييع الجنازة، يقول: يا أهلي ، يا ولدي ، لا تلعبنَّ بكم الدنيا ، كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلَّ وحرم ، فأنفقته في حلِّه ، وفي غير حلِّه ، فالهناء لكم ، والتبعة علي .
الميت يرى ويسمع ، يرى كلَّ إنسان ، ويميِّز أوصاف مَن يراه ، قال عليه الصلاة والسلام ، يخاطب قتلى بدر:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ *
(صحيح مسلم ، 5121)
هذا سيدنا ثابت قال له: ثم قل لخالد: إذا قدمت على خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، في المدينة ، فقل له:
إن على ثابت بن قيس ، من الدين كذا وكذا ، وإن فلانًا وفلانًا من رقيقه عتيقان ، فليقضِ ديني ، وليحرر غلماني .
فاستيقظ الرجل ، فأتى خالد بن الوليد ، فأخبره بما سمع ، وما رأى ، فبعث سيدنا خالد ، من يحضر الدرع من عند آخذها ، فوجدها في مكانها ، وجاء بها كما هي ، ولما عاد سيدنا خالد إلى المدينة ، حدَّث أبا بكر الصديق ، بخبر ثابت بن قيس ، ووصيته ، فأجاز الصديق وصيته ، وما عُرف أحدٌ ، قبله ولا بعده ، أُجْزِيَتْ وصيته بعد موته سواه ، رضي الله عن سيدنا ثابت بن قيس وأرضاه، وجعل مقامه في أعلى عليين .
والحمد لله رب العالمين