وربما تتعيَّن الرواية بالإسناد النازل للضرورة، كما أن اختياره دون الإسناد العالي يحتاج إلى علمٍ وتبحُّر. قال الحاكم النيسابوري ( [xxxviii] ) :"فإن للنازل مراتب لا يعرفها إلا أهل الصنعة؛ فمنها ما تؤدي الضرورة إلى سماعه نازلًا، ومنها ما يحتاج طالب العلم إلى معرفة وتبحُّر فيه فلا يكتب النازل وهو موجود بإسناد أعلى منه".
قلت: وهذا يعني أن من يختاز الإسناد النازل يجب أن يكون قد اطلع على فوائد الإسناد والمتن في جميع مرويات الحديث ؛ وذلك بالنظر في أحوال الرواة، وطبقاتهم، وصفة سماعهم من الشيوخ، وصيغ الأداء في مروياتهم، والاختلاف بين ألفاظ المُتون ، ومعرفة ما اشتملت عليه من زيادات في بعض الرواة.
ونوَّه السيوطي إلى أهمية الطريق النازل إذا عزَّ ولم يجده المصنف بإسناد عالٍ، ومثّل على ذلك بحديث للبخاري ؛ حيث قال:"واعلم أن كل حديث عزَّ على المحدث ولم يجده غالبًا، ولا بد له من إيراده فمن أي وجه أورده فهو عالٍ بعزته، ومثل ذلك بأن البخاري روى عن أماثل مالك، ثم روى حديثًا لأبي إسلحاق الفزاري عن مالك، لمعنى فيه، فكان فيه بينه وبين مالك ثلاثة رجال". ( [xxxix] ) وسيأتي هذا الحديث مع تفصيل الحكمة من رواية البخاري له نازلًا في هذا البحث.
وسبق البخاري بالإشارة إلى عدم استغناء المحدث عن النزول في الإسناد أحيانًا؛ فقال:"لا يكون المحدث كاملًا حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه" ( [xl] ) . لذا فقد حدث عن الطبقة الرابعة من شيوخه؛ وهم رفقاؤه في الطلب، لسماع ما فاته عن مشايخه أو ما لم يجده عند غيرهم. وحدث أيضًا عن الطبقة الخامسة من شيوخه؛ وهم في عداد طلبته في السن والإسناد، وذلك للفائدة. ( [xli] )
الفصل الثاني
الدراسة التطبيقية
الحديث الأول