أليس لكل علم من العلوم، بديهيات ومسلمات، ينطلق منها الباحث، و بدونها لا يمكن البحث، ونصير إلى الدور والجهل المطبق، فإذا إحتاج كل دليل إلى دليل آخر، فمتى يحصل العلم ؟.
وبناء على هذا نقول:
إن الناظر في أحوال الرجال، يجب أن يسلم بصحة أخبار الصحابة، فمع تأكدنا من عدم كذبهم، إلا أننا لم نتيقن من عدم خطئهم، ولكننا سلمنا بصحة أخبارهم إبتداءا، حتى يظهر لنا ما يوجب التوقف أو الترك، فكذلك يجب إتباع هذا المبدأ مع غيرهم بلا فرق، و إلا لكان الأصل في تلقي الأخبار هو التوقف، ولا قائل به.
فالقبول هو الأصل، والتوقف والرد هو الطارئ، و الطارئ لا يكون إلا بسب، وهذا السبب يجب أن يكون ظاهرا لا خفيا، محققا لا متوهما.
وما يطلق عليه إسم العلة الخفية، فذلك إنما يصح قبل أن يدركها الناقد، وبعد أن يدركها فلن تصير خفية.
وكل الحجج التي تذكر لرد خبر الذي لم ينص على حكمه، يمكن أن نرد بها خبر من نص على حكمه.
فإن كان الخطأ فهو على الجميع، وإن كان الكذب فما هو عدد الكاذبين في القرون الفاضلة، وإن كان إحتمال أن يكون في إسم الراوي خطأ فلذا لم يعرف، فالأصل عدمه، وكذلك قد يروي المحدث عن شخص معروف لكنه لم يسمع منه هذا الحديث، بل سمعه من غيره.
فلهذا فالأسلم هو القول بالبراءة، وأن فتح باب الظن، هو شيئ من الوسوسة، وليس شيئا من العلم .
[ عدالة الراوي ]
ثم ألم يحمل الناقل، تكليفا بالقداسة، ألم ينقل علماء الرجال قداسة المصدر ـ وهو الرسول الرحيم الكريم ـ إلى الناقل عنه من بعده، فقالوا لا نقبل من فلان حديثه لأنه يوهم حماره بالإطعام ولا يطعمه، فكيف نقبل خبره، فمن تنجس لا يحمل ما تقدس.
ثم هل يرد حديث الراوي، إذا كان شاربا للخمر، لإنه يشرب الخمر، أم يرد لأنه يذهب بعقله وضبطه؟.
أليس شرب الخمر بالنسبة للضبط كالجنون والخرف، أليست هذه من أسباب سوء الحفظ وردائته؟.